هل ما زالت القضية الفلسطينية بحاجة إلى المزيد من التعبيرات والمصطلحات المختلفة للتعبير عن دعم القضية أو الموقف منها في ظل كل ما حدث في أنحاء العالم المختلفة إبان العدوان على غزة، وهل يعتقد أحد ما أن ثمة حياداً باقياً في العالم تجاه هذه القضية؟

لقد أصبح واضحاً أن العالم منقسم بين طرفين: طرف يساند حقوق الفلسطينيين، وآخر ينكر هذه الحقوق، لكن ما يميز هذين الطرفين هو أن الذين يدعمون إسرائيل ينسقون جهودهم السياسية والاقتصادية والأمنية والإعلامية، فيبدون أكثر قوة وقدرة وتماسكاً، بينما يظهر الذين يساندون القضية الفلسطينية أكثر تبعثراً وأقل تنسيقا... ‏

ولذلك تحتاج الأمة إلى الاستمرار في جهود المصالحة وتعميقها وتوسيع نقاطها وتأطيرها في هياكل دائمة قادرة على تحويل مصطلحات مساندة فلسطين ودعم حقوق شعبها إلى واقع عملي ومؤسساتي يمتلك صفتي الجدية والاستمرارية.. ‏

ومما لا شك فيه أن المشاعر الصادقة مفهومة، ولكنها غير كافية، فالواقع الفلسطيني سواء من خلال الانقسام الفلسطيني القائم أو من خلال المصاعب الاقتصادية والمعيشية ولاسيما في غزة، صار بحاجة ماسة إلى واقع عربي يحسن إدارة اختلافاته ولو بلغت حد التناقض، ويحسن إدارة تفاهماته ولو بلغت حد التطابق.. فذلك لو تحقق لجسّد مصالح الأمة من جهة ولعبر أيضاً عن حضارة النظم السياسية ورقي منطق تعاملها السياسي والوطني والقومي. ‏

ولعل أحد المفاهيم الحضارية التي تميز أي نظام سياسي هو اعتقاده أن منطق التواصل والحوار والنقاش هو منطق ضروري ولكنه لا يستهدف الإملاء على الطرف الآخر وتحميله كل قناعاته وأفكاره أو العكس، بل التعرف إلى أفكار الآخرين وأنماط تفكيرهم ودوافعهم وهواجسهم ومخاوفهم والبحث عن نقاط تلاقٍ لتجاوز المخاوف والهواجس، وتفعيل المشتركات والمصالح حيث وجدت. ‏

وتلعب الجغرافيا بطبيعة الحال دورها الرئيسي في تحديد المواقف والخطاب السياسي وطبيعة المصالح، كذلك تلعب المبادئ والمعتقدات والاتجاهات السياسية أيضاً دورها في تحديد صور العلاقات ومداها، ولكن الهوية والانتماء والانتساب واللغة والمصير المشترك تبقى لها أولوية خاصة ومكانة متميزة باعتبارها الذاكرة التي لم تنقطع ولن تنقطع، وباعتبارها أيضاً الحاضر بمشكلاته والمستقبل بتطلعاته. ‏

ولذلك تنظر سورية إلى صداقاتها وعلاقاتها الاقليمية على أنها رافد وداعم حقيقي للحقوق العربية، وفي مقدمتها حقوق الشعب الفلسطيني وحقوق لبنان في استعادة مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، وحقوق سورية بتحرير كامل الجولان، ومن البدهي أن يقع ذلك كله في خانة خدمة القضايا العربية، باعتبار الأصدقاء والأشقاء في الدين أو في العروبة أو في المبادئ هم في المحصلة في خندق واحد يستهدف إحقاق الحق وتطوير مصالح الشعوب وتحقيق التنمية والاستقرار والازدهار. ‏

وقد دعت سورية دائماً إلى تفعيل العمل العربي المشترك بكل مستوياته اقتصادياً وسياسيا وعسكرياً وأمنياً، ذلك أن مفهوم الأمن القومي العربي بالنسبة لسورية هو مفهوم مركب من كل ما تقدم، ويجب أن يبقى دائماً في مركز الصدارة لأهميته البالغة، فما يمس الأمن القومي في أي بقعة عربية يمس أمن سورية، وما ينفع ويخدم الأمن القومي في سورية يفيد ويخدم المفهوم العام للأمن القومي العربي، ومن يضع طاقاته في خدمة الأمن القومي العربي في أي بقعة من الوطن الكبير فإنما يخدم المفهوم المركزي للأمن القومي العربي والعكس دائماً صحيح. ‏

لقد كانت قمة الرياض خطوة بارزة وراسخة لفهم طبيعة كل ما جرى خلال السنوات الأخيرة، وللتأسيس لعصر عربي فيه الكثير من التصالح، والكثير من التفاهم، والكثير من حسن الإدارة، إدارة الاختلاف وكذلك ادارة التوافق فلا يكون الاختلاف سبباً للقطيعة ولا يكون التوافق سبباً للتصرف بشكل منفرد. ‏

وإذا كانت قمة الرياض يُبنى عليها لمصلحة العمل العربي المشترك لكونها الأساس لتنسيق عربي يدخلنا مرحلة جديدة عربياً وإقليمياً ودولياً، فإن قمة الدوحة المرتقبة ستكون البناء القوي لأساسٍ متين وفرت له قمة الكويت الأسباب الموجبة ليكون بناءً عربياً متيناً مبنياً على قاعدة من الصراحة والشفافية والرغبة المشتركة لتحقيق المصالح العربية في مختلف ميادين الحياة. ‏