تقاس قوة أي لغة بعدد المفردات التي تتكون منها، وتعتبر اللغة الفرنسية وفق هذا المقياس أقوى لغة معاصرة لاحتوائها على ما يقرب من ثلاثة ملايين مفردة.

وهذا الرقم الهائل من المفردات مع هذا الانتشار العالمي يجعلان هذه اللغة تقف عملاقة بجوار أي لغة أخرى بما فيها الإنجليزية، ولكن هذه اللغة العملاقة تتصاغر وتنكمش بمجرد الدنوّ من اللغة العربية ذات الأكثر من خمسة ملايين مفردة قابلة للتكاثر «المأجوجي» في أي زمان ومكان يحسن أبناؤها فيه استثمار إمكانياتها، وإنقاذها من حالة الكبت والقمع اللغوي الذي يمارسونه بأيديهم ضدها.

يضاف إلى ذلك أن قواعد اللغة الفرنسية المنطوقة اليوم ليست نفسها قبل ثلاثمائة سنة فقط، أما العربية فهي اللغة الوحيدة التي بقيت منذ أن نطق بها البشر إلى هذه اللحظة بنفس أصولها وقواعدها اللغوية، وهذا يمنحها وهجا لا يقل تألقا وسطوعا عن الشمس المشعّة منذ ملايين السنين.

كما يمنح الأفكار والآراء والأحاسيس التي تصاغ بأوعيتها الأدبية خلودا في الفهم والتداول والتقبّل، ولهذا تقرأ أجيال اليوم معلقة امرئ القيس فيتردد إلى مسامعها من بين حروف معلقته صدى صهيل جواده، وربما تبصره وهو ينحدر إلى «سِقط اللِّوى» كجُلمود صخرٍ حطّه السّيل من عَلِ.

عندما تسلّط المغتصب (الاستعمار) الأبيض في العصور الحديثة على بلاد الشرق أصفرها وأحمرها وأسودها، استثمر دهاءه لتكوين روابط معنوية ومادية بين البلاد المغتصبة (المستعمرات) وبين بلاده الأم، فكانت اللغة هي الرابط الأول وكان نمط الحياة هو الرابط الثاني.

ولهذا نجد بلدانا كاستراليا وجنوب أفريقيا وسنغافورة وأميركا اللاتينية تغيرت فيها اللغة الرسمية والأنظمة السياسية والمعتقدات الدينية والطوابع المعمارية وعناصر البُنى التحتية ووسائل المواصلات وحتى الأزياء وطرائق الزراعة والتشجير، ليس لأن سكانها الأصليين هم الذين أبدعوا هذه النماذج الحضارية، بل لأنها خرجت من مخلاة المغتصب الأوروبي محاكاة لطابع بلاده الحضاري والثقافي.

وبتأثير تلك الروابط تحقق هدفان: الأول، تكريس الاغتصاب واستمرار الأوروبي في نهب خيرات تلك البلاد وهو يعايش تفاصيل حياته اليومية التي اعتاد عليها بحذافيرها، فهذا يجعل مزاجه الانتهازي وشعوره النفسي أكثر توازنا، بل وتشبثا بتلك المغتصبات فيما لو حاول أصحاب الحق الشرعي استعادة حريتهم واستقلالهم؛ والثاني، تعاطي السكان الأصليين ثقافةَ المغتصب إلى حالة الإدمان، حتى جفّت جذور ثقافتهم الأصلية فيما عدا بعض القشور كالأزياء والأطعمة والآثار، وعندها نما في أعماقهم الشعور المغروس بالانتماء إلى الثقافة الدخيلة فاعتنقوا نفس الدين وتحدثوا نفس اللغة وداروا في نفس الفلك السياسي والاقتصادي.

وهنا خبت دوافع الثورة لاسترداد الحرية أو خمدت إلى الأبد. والدول العربية لم تكن استثناء من هذه الأعراض الوبائية، بل تساقطت كأوراق الخريف كل خطوطها الدفاعية تباعا، بدءا بالحرية السياسية وانتهاءً بالعادات والتقاليد الاجتماعية.

وبقيت العربية صامدة لأنها تترّست بالقرآن الكريم الذي اندحرت على تخومه كل الأساليب والحيل، مع تفاوت واضح في التأثر من دولة لأخرى؛ ولكن المحاولات لم تهدأ أبدا، حتى شهدت البلاد العربية في السنوات الأخيرة، لاسيما مع انتشار الإعلام الفضائي المتلفز وعودة الطيور المهاجرة من جامعات الغرب ومجتمعاته ممن شكلوا طابورا خامسا، أشرس هجمة ضد لغة الضاد، بدأت بإعلان الجامعات العربية براءتها من اللسان العربي المبين إلى الأعجمية الإنجليزية أو الفرنسية بحسب العلامة التجارية التي كان يحملها المغتصب.

حيث جرى استيراد المناهج بالكامل بتلك اللغات، واستبدال الطواقم التدريسية من غير الناطقين بالعربية، واستخدام غير العربية حتى في العمل الإداري؛ ثم تسربت هذه السوسة إلى المدارس والمعاهد حتى نخرت عظامها.

على المحور الآخر، وبعدما أحكمت الإنجليزية والفرنسية قبضتهما على خناق الشركات الخاصة بدءا بالأسماء التجارية، ومرورا بتوظيف غير العرب وانتهاء بالمراسلات والتعاقدات، حوّلت الهجمة وجهتها إلى الدوائر والمؤسسات الحكومية، يؤازرها فوج من المدراء أو الرؤساء من منتحلي الثقافة الغربية أو مفتقدي الرؤية والمتنصلين من ثقافتهم، حتى باتت تلك الدوائر تتباهى بتحويل أسمائها الرسمية ومختصراتها بل وكتابة رموزها وشعاراتها بالحروف اللاتينية، وأصبح المواطن البسيط مكرها على أن يلوي عنق لسانه ويفغر فاه على شدقيه ويخرج لهاته من حلقه ليقول: «ديوا» و«سيوا» و«ريرا» و«آر تي إيه»، وكثير جدا مما لا يحصى من هذه الطلاسم والألفاظ الناشزة.

هذا الإصرار والغزارة في استخدام اللغة الإنجليزية والفرنسية في العمل اليومي بدرجة وبحجم يجعلهما من الناحية العملية اللغة الرسمية الأولى في معظم الدول العربية لاسيما في دولة كدولة الإمارات، ويزيح اللغة العربية من حيث إلزامية الاستخدام لتصير اللغة الرسمية الثانية أو ربما الثالثة، يعكس واقعا كارثيا لا بالنسبة للغة العربية.

فهذه اللغة محفوظة ما دام القرآن كتابا يُترنّم بتلاوته وتُستوقظ الضمائر بالقيم المبثوثة بين كلماته، وهي لغة متجددة ومتأنّقة بطاقاتها ومحركاتها التجديدية الكامنة فيها، ولكن الكارثة يكابدها أبناؤها من الناطقين بغيرها من اللغات؛ لأن ذلك يعني أحد أمرين: الأول، أن معرفتهم بالمادة العلمية التي يعبّرون عنها هي «معرفة محفوظة» وليست «معلومة أو مفهومة أو مستوعبة».

اذ لو كانت معلومة بأصولها النظرية وقواعدها ومبادئها العلمية لتمكنوا من صياغتها بأي لغة يعرفونها، ولكنهم حفظوا بعض المعلومات والمصطلحات والتعبيرات فصاروا يكررونها كالببغاوات، فتسرب المغتصب ولغته هذه المرة من تصدعات الفقر والإفلاس المعرفي بسبب قدراتهم المتخاذلة وإراداتهم الهشة.

الأمر الثاني، أن مستخدمي اللغة الأجنبية كلغة أولى واقعون تحت تأثير التبعية والشعور الانهزامي أمام المغتصب وفق نظرية ابن خلدون، وهو الأمر الذي يجعلهم يحاولون محاكاة نموذجه الحضاري وعلى رأسها لغة التخاطب، فيصبح إلقاء الكلمات وإدارة الاجتماعات والمحادثات وتدوين المدونات الرسمية عند المغلوب بلغة الغالب، وفي هذه المرة يكون المغتصب قد تسرب من ثقوب النفسية المهترئة عند هؤلاء المسؤولين والموظفين.

ولعلنا نلاحظ هذه المسألة بوضوح شديد بين الدول المتقدمة والمتخلفة، فالياباني والصيني مثلا يتعلمان في أميركا، ولأنهما يستوعبان الأصول المعرفية للتخصص العلمي الذي درساه، وأيضا لأنهما يعتزان بثقافتهما وهويتهما، فإنهما عندما يعودان إلى بلادهما يعبّران عن أفكارهما وآرائهما سواء على طاولة الاجتماعات أم في الفصل الدراسي باليابانية أو الصينية وليس بالإنجليزية؛ وعلى النقيض من ذلك نجد الهندي والعربي اللذين يتعلمان هناك ثم يعودان إلى بلادهما، فإنهما يعبّران عن أفكارهما وآرائهما بالإنجليزية وليس بالهندية أو العربية.

وهذان الأخيران وأمثالهما ممن يعايشون حالة البيات الحضاري قد اختلطت عليهم الأمور، فلم يفرّقوا بين المعرفة ووعاء المعرفة، وظنوا أن اللغة معرفة فاقتنوها وأهملوا المعرفة، وهناك مئات الآلاف من مختلف دول العالم يتعلمون في جامعات الغرب، ثم يعودون إلى مساقط رؤوسهم، فأما الذين «تعلموا» فإنهم ينقلون معهم المعرفة التي جمعوها في وعاء لغتهم الأصلية، وأما الذين «حفظوا» أو «غيّروا ألسنتهم» فإنهم يشرعون فورا في تبديد ثرواتهم من أجل استيراد الخبراء والمناهج والحلول الجاهزة، ليتسرب المغتصب تارة أخرى من الثقوب والتصدعات ذاتها.

كاتب إماراتي

aalmutawa@dubdidb.gov.ae