قد يكون صحيحا أن جولات الحوار الفلسطيني الفلسطيني الذي تجتمع لجانه الخمس في القاهرة هذه الأيام واجهت صعوبات أدت إلى تمديده، لكن بات الأكثر رجحانا أن الحوار سيفضي إلى تفاهمات تسمح بإعلان إنهاء الانقسام، وفتح صفحة جديدة، نسبياً، في العلاقات الفلسطينية الداخلية.
فحركة «حماس» من المفترض أن تكون اليوم أكثر قناعة بأن الاستمرار سياسيا بالشكل والصيغة الراهنة لن يمكّنها من اختراق الحصار، وإجبار العالم على الاعتراف بشرعيتها السياسية، وأن الاختراقات الحاصلة في بعض المواقف الأوروبية، ووجود بعض المطالبات من اجل الحوار معها، لم تترك آثارها السياسية المرجوّة، حتى أنها لم تساهم في رفع الحصار السياسي والاقتصادي المفروض على قطاع غزة.
كما أن حركة «فتح» راهنت كثيرا على العديد من أوراق القوة ووسائل الضغط لإنهاء ما تسميه انقلاب حماس، وأبدت كثيرا من الصبر والاحتمال عقب سيطرة «حماس» على غزة في يونيو 2007 في انتظار لحظة العودة والتشفي من غريمتها اللدود التي سلبتها الهيمنة والنفوذ، وكرست في وجهها الكثير من المطبات والعوائق السياسية، لكن ذلك أخفق في ثني حماس عن المضيّ في طريقها.
ومع ذلك فإن أحدا يجب ألا يساوره شك بشأن حقيقة ثقل وصعوبة الملفات التي تناقشها هذه اللجان، والتي عُهد إليها العمل على تفكيك القضايا المطروحة وعُقدها المستحكمة ومحاصرة إشكالياتها الجمّة التي شطرت الكيان السياسي الفلسطيني، وشرّعت كل الموبقات والمحرّمات الوطنية، وطعنت القضية الفلسطينية في العمق والصميم.
ولئن بدا أن مؤشرات التوافق أكثر حظا فإن احتمالات الفشل تبقى موجودة في ظل قضايا بالغة التشابك والتعقيد لا يعزف مقطوعاتها الفلسطينيون وحدهم بقدر ما تتراقص على أنغامها التدخلات الإقليمية والدولية.
ومن هنا، تكمن أهمية الخطوات العربية الأخيرة، والتي وصفت بالايجابية والبناءة في أعقاب قمة الرياض الرباعية التي غذتها طموحات لتوسيع المصالحة العربية لتشمل الخلاف المصري القطري، فنجاح العرب في المصالحة سينعكس إيجابا على الفلسطينيين، لأنهم سيتحررون من أية ضغوط خارجية.
كما أن نجاح الفلسطينيين في الوصول إلى تفاهمات من اجل إنهاء الانقسام الحادث بينهما قد يساهم بشكل كبير في قطع الطريق على من يحاول تحريك الساحة الفلسطينية لتكون أداة ضغط لصالحة في التجاذبات الإقليمية والدولية وبالتالي سينعكس ايجابيا على الساحة العربية التي بدورها قد تعجل في حدوث مصالحة عربية حقيقية.
في النهاية، الأخوة الفرقاء المجتمعون منذ خمسة أيام في القاهرة باتوا الآن على المحكّ في الولاء والانتماء وتغليب المصالح الوطنية الفلسطينية عما سواها.
