ليس من المبالغة في شيء القول إن الاوضاع العربية مرشحة، وبشكل حقيقي للدخول في مرحلة جديدة، خاصة وانه تتجمع في الأفق مؤشرات عديدة ترجح انها ستكون مختلفة الى حد كبير عما كانت عليه الأوضاع العربية خلال الفترة الماضية.

وفي الوقت الذي أكد فيه البرلمانيون العرب على ضرورة استعادة التضامن العربي، فإن الاتصالات والتحركات الجارية عبر قنوات عدة بين كل من الرياض والقاهرة ودمشق تبشر على نحو يزداد وضوحا بأن الاشقاء الثلاثة يسيرون نحو ما يتطلع اليه العرب على امتداد المنطقة من تحقيق للمصالحة فيما بينهم والالتقاء على تجاوز الخلافات السابقة والعمل بشكل اكثر تعاونا وتفهما وتنسيقا فيما بينهم لتحقيق المصالح العربية الفردية والجماعية ايضا وبالنسبة لكل القضايا.

ومع الوضع في الاعتبار ان التنسيق والتعاون المصري السعودي السوري شكل في كثير من الاحيان قاعدة قوية للموقف العربي حيال هذه المسألة او تلك، وعلى مدى عقود عديدة، فإن الاوضاع العربية الراهنة تستوجب العمل بجد واخلاص من أجل استعادة اللحمة بين العواصم الثلاث ليستعيد الموقف العربي قوته وتماسكه المنشود مرة اخرى.

وبينما ترحب كل الاطراف العربية بما يجري من اتصالات وما يعلن من نتائج تصب في النهاية لصالح الموقف العربي الجماعي، فإنه من المأمول ان تكون القمة العربية القادمة المقرر عقدها في العاصمة القطرية الدوحة، قمة استعادة التضامن العربي، خاصة وأن دولة قطر الشقيقة وقيادتها الحكيمة تبذل قصارى جهدها من أجل تهيئة كل سبل النجاح لهذه القمة والتي يمكن أن تعطي دفعة قوية للعمل العربي المشترك ولتنفيذ ما أسفرت عنه قمة الكويت الاقتصادية من نتائج وإعداد العرب للتعامل مع تطورات شديدة الأهمية على المستويين الاقليمي والدولي.

جدير بالذكر انه في حين أعرب العرب عن رغبتهم واستعدادهم الحقيقي للسلام الشامل والعادل في اطار مبادرة السلام العربية، فإنه من المأمول أن يكون الموقف الذي أعلن عنه الرئيس السوري بشار الاسد، بالنسبة للسلام مع اسرائيل من ناحية، وما أعربت عنه تركيا من استعداد للاستمرار في رعاية المفاوضات غير المباشرة بين سوريا واسرائيل من ناحية ثانية، وكذلك ما أبدته الولايات المتحدة الاميركية من استعداد لدفع عملية السلام في الشرق الاوسط مرة اخرى من ناحية ثالثة، عوامل داعمة ومساعدة على تهيئة مناخ أفضل خلال الفترة القادمة لإعادة تنشيط عملية السلام مرة اخرى.

وبالنظر للأهمية الكبيرة للدور الذي تضطلع به سوريا في المنطقة بوجه عام، وبالنسبة لعملية السلام وما يمكن أن يتحقق بالنسبة لها بوجه خاص، فإن الاتصالات الاميركية السورية التي جرت في الأيام الاخيرة تكتسب في الواقع الكثير من الأهمية، ليس فقط لأن هذه الاتصالات سرعان ما تحولت الى اتصالات رسمية بين الحكومتين الاميركية والسورية، ولكن أيضا لان هناك ادراكا اميركيا واضحا بشأن أهمية وضرورة التواصل والتفاوض مع دمشق وتفهم وجهات النظر السورية حيال الجوانب المختلفة، سواء بالنسبة للسلام على المسار السوري، او بالنسبة للأوضاع الفلسطينية، وكذلك على الساحة اللبنانية وعلى الساحة العراقية ايضا وبالنسبة للشرق الاوسط ككل.

وفي ظل تشكيل حكومة اسرائيلية تتسم بالتشدد على الارجح، وفي ظل ما أعلنته واشنطن بالنسبة للانسحاب من العراق في نهاية اغسطس من العام القادم، فإن التحرك العربي والدولي في اتجاه سوريا يتسم بالكثير من الأهمية سورياً وعربيا واقليميا ودوليا كذلك لأنه يمكن ان يفتح الطريق لتطورات ايجابية في اكثر من اتجاه وعلى اكثر من صعيد، وهو ما يفسر الترحيب العربي الواسع به.