من منا لم تكن له علاقة صداقة بالقلم، فقلمك يولد معك ويبدأ في مشواره معك منذ أن تتعلم مسك الأشياء ويكون القلم من يومياتك وتأخذ أصابعك سواء من يدك اليمنى أو اليسرى تداعب القلم وتبدأ في رحلة الخربشات والرسومات غير المفهومة ولكنها تنم عن فكرة أو طريقة تعبر من خلالها عن مفهوم الكتابة لديك.
كان القلم في السابق يأخذ شكلا واحداً سواء قلم الرصاص أو قلم الحبر السائل منه أو الجاف دون أشكال أو ألوان فكان عند دخولك للمرحلة الابتدائية من المدرسة وضمن أدواتك القرطاسية قلم رصاص واحد وممحاة ومبراة ومسطره وكراسات خاصة لكتابة الدروس والواجبات ثم عند دخولك للمرحلة المتوسطة أو الإعدادية يدخل ضمن أدواتك القلم الجاف نوع (بك، ِيك) الأزرق والأسود والأحمر والأخضر وتكون لديك الخيارات في الكتابة بهذه الألوان وتزين كراستك بها.
ثم أخذ القلم يتطور مع الأيام ليصبح مواكباً للأشكال الحديثة من شركات إنتاج الألعاب والأفلام الخاصة بالأطفال ومختلف المناسبات للترويج لها عبر صناعة أشكال مختلفة من الأقلام.
هذه العلاقة بين أصابعنا والقلم قد تمتد لاستخدام هذا الصديق في فترات متفاوتة سواء في الدراسة أو الأعمال اليومية أو تلازمك طوال يومك وتبقى من أولوياتك وهاجسك الذي تعبر من خلاله عن مكنوناتك وبنات أفكارك.
وبرغم من دخول جهاز الحاسوب والجهاز المحمول الذي يمكن من خلالهم الكتابة عبر أزرار تخرج من خلالها كلماتك إلا أن إمساكك للقلم وإدخاله في بعض الأحيان في فمك عند التفكير لهي ميزة خاصة لا تعوضها هذه الأجهزة.
يمكن لهذه العلاقة ونتيجة لهذه الصداقة أن تخرج لنا الكتاب والأدباء والشعراء والرسامين والخطاطين وكل من له صلة بالكتابة.
هذه الرحلة بدأت معي منذ نعومة أظافري عندما كنت أشاهد والدي يستخدم القلم أثناء دراسته أو عمله وأحاول تقليده في مسكة القلم أول مرة بيدي اليسرى وأخربش على كل ما تقع يدي عليه فوق الأبواب والجدران حتى تعلمت إن للكتابة أصول وأوقات وأماكن نستخدم فيها القلم.
ومن حبي للقلم كنت أتمتع بمبراة القلم ليبقى صغيراً لي أتحجج بذهابي للمكتبة وشراء الجديد.
بعد انتهائي من المرحلة الابتدائية توطدت العلاقة بيني وبين القلم وأصبح القلم يلازمني في كل تحركاتي وكل ما يمكن أن يدخل فيه القلم والكتابة ودخلت معه الورقة بكافة أنواعها وأحجامها ليكون لدي رصيداً مع الأيام من الدفاتر والمذكرات والرسائل التي عبرت خلالها عن أسلوبي في الكتابة وخطوط يدي التي تطورت معي مع الأيام.
نتيجة لهذه العلاقة والأسلوب الأدبي الذي أنعم الله به علي أدى حبي للقلم الذي عبر عن أفكاري إلى تكوين صداقة جديدة مع القراءة ليدخل الكتاب ضمن أولوياتي اليومية فكانت معادلة تتركب من القلم والورقة والكتاب أدت إلى دراستي للإعلام والصحافة التي بدأت معي منذ عام 1977 وحتى الآن تخللتها في كتابة الخواطر والقصص القصيرة لتجد الدعم في نشرها عبر هذه السنوات من أغلب الصحف والمجلات اليومية منها والدورية داخل وخارج الإمارات.
قلمي صديقي العزيز الذي لازمني هذه السنوات الطويلة وتجول معي في كافة أمور حياتي من المنزل وزواياه وأركانه وغرفه إلى المدارس التي تنقلت بالدراسة فيها مابين الكويت والشارقة وجامعة الإمارات ومن ثم العمل ثم إلى سفراتي في الطائرة والباخرة والسيارة والحافلة والقطار وفي الحدائق والمتنزهات والمراكز التجارية وعلى البحر والأرصفة والأزقة والسكيك والحواري وفوق الجبال وبقى هو الشاهد الوحيد على أسراري وعصارة أفكاري وشجون قلبي وخلال أفراحي وأحزاني وأثناء نومي وأحلام يقظتي وكل دقيقة مرت استطعت فيها أن أمسك القلم كانت تعبر عن معنى أو رسالة أو كلمة أردت أن أخرجها لترى النور من خلال هذا الكائن الخشبي الصغير.
كما عبر الشاعر المتنبي عن حبه للقلم بهذا البيت الشعري المعروف
الخيل والليل والبيداء تعرفني
والسيف والرمح والقرطاس والقلم
قلمي ستبقى معي ولن أفارقك مادمت حية وستبقى أصابعي بحاجة إليك مهما مرت بي الظروف والأزمات.
كاتبة إماراتية
