مازال الحديث عن الغزو الأميركي للعراق منقوصا ويحتاج للعديد من الكتابات العلمية الموضوعية، التي لا تظلم طرفا على حساب طرف آخر، بقدر ما تكشف عن أبعاد الحرب وأسباب اندلاعها والنتائج المترتبة عليها.

ويساهم كتاب مايكل شوارتز أستاذ علم الاجتماع في جامعة ستوني بروك في نيويورك «حرب بلا نهاية» الصادر هذا العام في تقديم صورة غربية لأسباب اندلاع الحرب والنتائج المأساوية المترتبة عليها.

وهي صورة مخالفة تماما لكل الادعاءات الأميركية التي ساقتها إدارة الرئيس الأسبق جورج بوش. يبين الكتاب أن واحدا من النتائج السلبية للحرب على العراق هو ما يتعلق بظهور التمرد في كافة أرجائه.

فمقاومة الأميركيين لم تنبع من الجهاديين أو من البعثيين كما روج رامسفيلد وغيره من العاملين في الإدارة الأميركية لكنه نبع من الظروف السيئة التي عاشها العراقيون، والتي ولدت العداء والكراهية ضد القوات الغازية بين المدنيين العراقيين.

ففي المراحل الأولى من الغزو الأميركي قام العراقيون بالعديد من المظاهرات ضد سلطات الاحتلال من أجل تلبية الاحتياجات الاجتماعية الأساسية وتوفير فرص العمل لهم. وبديلا عن الاستجابة لطلباتهم فإنه تم إطلاق النار عليهم بوصفهم يمثلون تهديدا للأمن العام.

كما وصل الأمر بالجنود الأميركيين إلى إطلاق النار على المتظاهرين المدنيين وقتل وإصابة العديد منهم في مناسبات عديدة، وهو ما أدى إلى إثارة مشاعر الغضب ضدهم من قبل العراقيين. ويرى الكتاب أن الولايات المتحدة الأميركية مسؤولة عن 57% من القتلى.

كما يرجع العديد من أسباب القتل إلى الاستخدام المفرط للقوة من جانب القوات الأميركية في المناطق الحضرية العراقية المكتظة بالسكان. كما قُتل العديد من المدنيين العراقيين على أيدي القوات الأميركية في العديد من نقاط التفتيش المختلفة والمنتشرة عبر كافة أرجاء العراق.

إضافة إلى ذلك قامت القوات الأميركية باقتحام العديد من منازل العراقيين من أجل بث الرعب بينهم. إضافة إلى ظروف السجون السيئة في العراق وانتشار عمليات التعذيب ضد المساجين والمحتجزين فيها.

ولكي تحافظ الولايات المتحدة على قبضتها على العراق فإنها قد تبنت منهجا للعقاب الجماعي مصمم من أجل القضاء على المسلحين وعلى أي شخص آخر يؤويهم أو يدعمهم. لقد تمخض كل ذلك عن العديد من المذابح التي راح ضحيتها العديد من الأبرياء مثلما حدث في مدينة حديثة وأثناء حصار الفالوجة.

لقد تركزت المقاومة في المناطق السنية وبعض المناطق الشيعية مثل مدينة الصدر. ورغم ذلك فإن المقاومة العراقية لم تكن أبدا موحدة بقدر ما اتسمت بالتشتت والتفكك المستند إلى التقسيمات الدينية والجغرافية المختلفة.

ومما زاد الطين بله تبني التنظيمات المختلفة وعلى رأسها تنظيم القاعدة أشكالا دموية في علمياتها ضد القوات الأميركية أدت لارتفاع أعداد الضحايا بين المدنيين العراقيين، حيث تبنوا الأساليب الإرهابية مثل السيارات المفخخة والعمليات الانتحارية التي عمقت من جراح العراقيين. كما ظهرت العصابات الإجرامية التي لعبت دورا كبيرا في نشر العنف والفوضى في كافة أرجاء العراق واستنزفت اقتصاده.

ويبين الكتاب أن السياسات النيوليبرالية التي قام الأميركيون بفرضها لم تحقق أية نتائج اقتصادية حقيقية بقدر ما ساهمت في تفاقم أوضاع العراقيين وتدهور ظروفهم المعيشية على كافة المستويات الحياتية.

وهو الأمر الذي أدى لتحول أعداد متزايدة منهم إلى مقاومين للاحتلال الأميركي. فقد أدى تردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية بين مختلف الشرائح الاجتماعية العراقية لانتشار دائرة المقاومة، واتساع مجالها وحيزها الجغرافي والديني والعرقي.

فالحرب الأميركية على العراق كانت واضحة في أهدافها منذ البداية، حيث تمثلت في إيجاد قاعدة استراتيجية من أجل السيطرة على احتياطيات الطاقة ومنابع النفط وتحويلاته في المنطقة، وفي العمل على ضمان التحول من الاشتراكية الديكتاتورية لصدام حسين إلى النظام الرأسمالي الأكثر مرونة وديمقراطية.

فقد قام الحاكم الأميركي الفعلي بول بريمر ومساعدوه بخصخصة مصادر الدولة المختلفة وتحويل كافة مؤسساتها الاقتصادية والاجتماعية إلى الشركات الأميركية على وجه الخصوص. حيث كافئوا الشركات الكبرى المتعددة الجنسية مثل «هالبيرتون» و«بكتل» بعقود كبيرة لكي تساعد في إعادة البني التحتية العراقية التي تهدمت بفعل الاحتلال.

وأدى تفكيك الصناعات والمنشآت العراقية إلى خسارة آلاف الوظائف التي تم استبدالها بالعقود الأجنبية. كما أفلست الصناعات والمشاريع المحلية متأثرة بطوفان السلع الرخيصة التي تم توريدها للعراق.

وارتفعت معدلات البطالة إلى ما يقارب 60% في دولة غنية مثل العراق. كما انتشر الفساد بدرجة كبيرة في الكثير من التعاقدات التي تمت مع الشركات الأجنبية، إضافة إلى أن هذه الظروف المزرية لعبت دورا كبيرا في الطرد المستمر للكفاءات العراقية التي فضلت الهرب إلى الخارج بعيدا عن الصراعات الدموية المستمرة في العراق.

وظهرت التأثيرات السلبية واضحة على قطاعي التعليم والصحة بدرجة كبيرة أثرت على طبيعة الخدمات المقدمة للشعب العراقي. فقد هُدمت المدارس خلال الحرب بشكل يصعب معه إعادة إصلاحها، ونقصت الكتب والأدوات الدراسية بدرجة كبيرة.

وخلال عام 2007 كشفت هيئة اليونيسيف عن أن طفلا عراقيا واحدا فقط من بين ستة أطفال ينال حظه من التعليم.

وبعد تفكيك النظام الصحي في العراق وعدت قوات الاحتلال بإعادة بناء العديد من المؤسسات العلاجية عبر كافة أرجاء العراق، وهو الأمر الذي لم يحدث حتى الآن وتسبب في تردي الأوضاع الصحية بين الملايين من العراقيين. إضافة إلى تلوث المياه وتردي أوضاع الصرف الصحي، وهو ما أدى لظهور الكوليرا بين العراقيين.

ولعل ذلك هو ما أكد لقطاع كبير من العراقيين على أن الولايات المتحدة لم تغزو العراق إلا من أجل تحقيق مصالحها الخاصة. وهو ما أدي إلى توسيع دائرة العصيان والتمرد بشكل كبير ضد القوات الأميركية خصوصا في ظل تصاعد الأزمات الاجتماعية والاقتصادية التي عانى من ويلاتها العراقيون يوما بعد يوم.

يكشف كتاب شوارتز عن توصيف جيد للاحتلال الأميركي للعراق والنتائج المترتبة عليه. كما يبين أن المقاومة المسلحة للأميركيين جاءت نتاجا للغطرسة الأميركية في المنطقة، وعبرت بدرجة كبيرة من الصحة عن فشل أميركا في تحقيق الليبرالية في العراق، بقدر نجاحها في تدمير البنى التحتية للمجتمع العراقي.

كاتب مصري

salehabdelazim@hotmail.com