تحية إلى جميع فصائل المقاومة التي وقفت وتقف بالمرصاد يوميا في وجه همجية المحتل بأظافرها وأسنانها، تحية على هذا النضال الأسطوري البطولي لكل الفصائل الفلسطينية المقاومة على ارض فلسطين، تحية إلى الشهداء الذين ارتوت الأرض بدمائهم الطاهرة.
تتميز المقاومة الفلسطينية عن كل حركات التحرر العالمية في بقاع الأرض بخاصية الإبداع المتجدد لأنها محاصرة بشكل كلي، وكما شبهها القائد العسكري الفيتنامي جياب: إنها موجودة بين حقل ألغام، وكما قال الشاعر الفلسطيني محمود درويش في قصيدته المشهورة احمد العربي: وأنت وحدك ثم وحدك ثم وحدك.
من جنوب أفريقيا إلى فيتنام إلى الجيش الجمهوري الايرلندي إلى حزب الله كانت الجغرافيا تلعب دورا كبيرا وتساعد الثوار على استمرار النضال وتدفق الدعم من الأراضي المجاورة، فلقد امتدت أنفاق تحت الأرض من الصين تعبر فيها قطارات أرضية تمد الثوار الفيتناميين بالأسلحة، ووقفت قارة أفريقيا كلها مع المناضلين في جنوب أفريقيا، ووصل السلاح إلى ايرلندا من اغلب الدول الأوروبية سرا، وأمدت سوريا وإيران حزب الله بالسلاح والمال، أما فلسطين فهي محاصرة وكل ما يمر منها وإليها مراقب من الكيان الصهيوني، ومرهونة كل فلسطين لا غزة فقط بيد هذا الكيان فيمكن في لحظة أن يقرر هذا الكيان أن تصبح كل فلسطين محرومة من الماء والغذاء والكهرباء والوقود وطبعا من السلاح، وهنا يتجلى الصمود والنضال الأسطوري ويتجلى الإبداع في الاعتماد على الذات وفي صنع المستحيل لمقاومة المحتل.
من المهم أن يحاسب المجتمع المدني نفسه وان يفعّل دوره لمناصرة الشعب الفلسطيني، فلا يخفى على أحد الدور البارز للمؤسسات التضامنية الأوروبية والأجنبية بمقارنتها مع المؤسسات العربية والإسلامية، لذا أتوجه إلى الجمعيات السياسية والإسلامية والوطنية والجمعيات الأهلية والمهنية للتنسيق فيما بينها لتوحيد الجهود والتحركات، سواء على مستوى كل قطر عربي على حدة أو على مستوى الوطن العربي ككل، لتشكل أداة ضغط لها ثقلها ولتشكل اللوبي العربي الإسلامي القوي والمؤثر عالميا.
من المعروف إن فلسطين ليست أول المطاف ولا آخره والكيان الصهيوني الذي قام على مبدأ النار والدم ومن خلفه أميركا وبريطانيا صناعه ومؤسسوه لا يريدون أن يتوقف هذا النزيف بل يريدوا إشعال المنطقة بأسرها نارا كما فعلوا بالعراق وسموها الفوضى الخلاقة! ولن يترددوا أن يفعلوا في لبنان أو سوريا أو الأردن أو مصر مثلما فعلوه في فلسطين إن كان ذلك يخدم مصالحهم، حتى وإن جاء رئيس جديد مثل اوباما وذهب رئيس مثل بوش.
لماذا تضغط إسرائيل وكل دول العالم الغربي على العرب من اجل الاعتراف بدولة إسرائيل والتطبيع معها؟ ولماذا لم يطالب أي احد إسرائيل بالاعتراف بالدولة الفلسطينية؟ فالقرار 181 عام 1948 بتقسيم فلسطين إلى دولتين وافقت عليه إسرائيل ورفضه العرب، وبذلك أعلنت الأمم المتحدة اعترافها بدولة إسرائيل ولم تعترف بالدولة الفلسطينية في حين تناست أن فلسطين هي الأصل وهي التي تم تقسيمها بذاك القرار.
لماذا يصرح اولمرت وللمرة الثالثة بأنه لا مفر من قيام الدولة الفلسطينية وعلى الحكومة الإسرائيلية اتخاذ القرار الشجاع؟ لأنه يدرك تماما إنها فرصتهم التاريخية لبقاء هذا الكيان مدة أطول أو لزواله إلى الأبد.
وفي المقابل يكرر نتنياهو شعاره المعروف: لا تنازل عن القدس أو الجولان، وتمضي الحكومة الصهيونية يوميا قدما وبلا هوادة في توسيع المستوطنات وفي تهويد المدينة المقدسة. ونحن نتنازل بكل بساطة عن حقوقنا وأرضنا ونسلم رقابنا لكي تجز بكل فخر وامتنان.
يقول الكاتب الفلسطيني خليل الحارثي «إن الكيان الصهيوني جاء على أساس 4 مبادئ: المبدأ اللاهوتي والأمن المطلق والقوة العسكرية وإحلال إسرائيل مكان فلسطين، وبالتالي استحالة الاعتراف بالدولة الفلسطينية»، ويقول الكاتب البحريني عبيدلي العبيدلي: «لا توجد كتلة عربية موحدة يمكن الاتكاء عليها في القضية الفلسطينية، وطبيعة الكيان الصهيوني عدوانية وهو كيان لا ينتعش إلا بالدم والنار، قام على هذا الأساس وسيظل».
نعم هذا الكيان الصهيوني ماهر في تزيين نفسه بالكلمات التي تشنف لها الآذان مثل الحرية والديمقراطية والسلام، لكن السلام الذي يعتنقه هذا الكيان هو القائم على العنف والقوة، وحريته هي في سفك الدم العربي وقتل الأطفال دون أية مبالاة بالقوانين الدولية، وديمقراطيته خاصة باليهود لا غير.
ويصرح جي روزنبرغ مدير مركز سياسة واشنطن التابع لمنتدى السياسة الإسرائيلية انه بعد التطبيع وقيام إسحاق رابين بالاعتراف بمنظمة الحرير وحق الفلسطينيتين في إقامة الدولة الفلسطينية على الضفة والقطاع قامت 9 دول إسلامية و32 دولة افريقية بإنشاء علاقات مع إسرائيل وفتحت الهند والصين أسواقها للكيان ثم قامت الأردن بتوقيع معاهدة سلام في وادي عربة وفي جنازة رابين الذي اغتيل على يد الصهاينة حضر اغلب زعماء العالم بما فيهم زعماء عرب.
لكن لم ينس أحد إنه عندما رجع أبو عمار بعد توقيع اتفاقية طابا مع رابين رجع وهو حاملا البندقية في يده دلالة على انه لا تنازل عن المقاومة، وما التفاوض إلا شكلا من أشكال المقاومة وليس الاستسلام والتفريط في الحقوق، لذلك انتقل بالنسبة لهم من خانة الحائز على نوبل للسلام إلى خانة الإرهابي لرفضه التفريط في القدس بوصفها عاصمة الدولة الفلسطينية وقتل مسموما بعد أن فرض عليه حصارا كما فرض على الشعب الفلسطيني في غزة.
الشعب الفلسطيني المناضل لم يفرط في أي شبر من أرضه، وإذا كانت القيادة الفلسطينية التاريخية بقيادة أبو عمار وافقت على إنشاء الدولة الفلسطينية في حدود 1967 فإنها وضعت في الاعتبار ضمان حق العودة بعدم التنازل عن هذا الحق الأصيل، لذا على القيادة الفلسطينية الحالية أن تواصل الدرب النضالي وأن تعرف جيدا كيف تفاوض وتقاوم في الوقت نفسه.
كاتبة بحرينية