مازال ملف التواجد العسكري الأميركي في وسط آسيا والقوقاز مفتوحا، بالرغم من أن أوزبكستان قد طردت القوات الأميركية منذ أكثر من عامين، وأعلنت قرغيزيا عن إغلاق «القاعدة الأميركية» بعد أن صادق البرلمان على قرار فسخ الاتفاقية الخاصة بنشر القاعدة الأميركية الجوية في مطار «ماناس».
ويمكن القول إن هذا التواجد فرض على روسيا السعي لبناء حلف عسكري لملء الفراغ في منطقة وسط آسيا وحوض بحر قزوين، لمواجهة الزحف الأميركي وإخراجه من المنطقة.
وقد حاولت روسيا في السابق إنشاء تحالف عسكري في منطقة بحر قزوين، لحماية مصدر الطاقة من مخاطر الإرهاب الدولي، شرط أن تتكون القوات العسكرية المشتركة من قوات الدول الخمس المطلة على بحر قزوين ـ أذربيجان وإيران وكازاخستان وروسيا وتركمانيا ـ لتكون مهمتها منع انتشار أسلحة الدمار الشامل.
إلا انها فشلت في تنفيذ مقترحها الخاص بقوات «كاسفور»، وإنشاء تكتل عسكري يضم قوات الدول المطلة على بحر قزوين، ليس فقط لأن هذه الدول لم تتوصل بعد إلى اتفاق لتحديد الوضع القانوني لبحر قزوين. وإنما أيضاً لأن العديد من دول وسط آسيا وحوض بحر قزوين ترى في التواجد العسكري الأميركي عنصر توازن لا يضعها تحت رحمة الحليف الروسي أو الجار الإيراني.
وقد دفع تعجل واشنطن ـ بالزحف نحو هذه المنطقة ـ موسكو وطهران للتحالف والعمل على تشكيل وحدات عسكرية للانتشار السريع في منطقة بحر قزوين تشارك فيها الدول المطلة على البحر فقط. ولم يخرج هذا المقترح إلى حيز التنفيذ لأسباب كثيرة، أهمها عدم توصل الحليفين الأساسيين إلى تفاهم استراتيجي حول توزيع ثروات المنطقة.
وقد أثارت الزيارات التي يقوم بها المسؤولون العسكريون الأميركيون إلى باكو قلق إيران وروسيا، خاصة انه عادة ما تحاط بسرية تامة.
في الوقت الذي تبحث فيه واشنطن خططا لنشر قواعد عسكرية في حوض بحر قزوين، وبرنامج «حراسة بحر قزوين» الذي سيمتد لعقد كامل.
وأخذت موسكو زمام المبادرة خلال العامين الأخيرين، وسارعت بدعم منظمة الأمن الجماعي، والإعلان عن تشكيل قوات انتشار سريع تابعة لهذه المنظمة، تضم تشكيلات قوية ومزودة بأحدث المعدات، لمواجهة الاعتداءات المسلحة، ومكافحة الإجرام المنظم وتهريب المخدرات.
وقررت دول منظمة الأمن الجماعي أن نظام الأمن الذى ستقوم ببنائه يعتمد الأسس الأقليمية، حيث توجد 3 مجموعات إقليمية من القوات: روسية ـ بيلوروسية (شرق أوروبا)، وروسية ـ أرمنية (القوقاز)، وفي آسيا الوسطى. وستكون لهذه القوات قيادة مشتركة. ومن المتوقع أن تكون فرقة الإنزال الجوي 98 ولواء الإنزال والاقتحام 31 من قوات الإنزال الجوي الروسية، العمود الفقري لهذه القوات.
إضافة لذلك قدمت موسكو قرضا إلى قرغيزيا يصل إلى 2 مليار دولار، لتنضم إلى منظومة الأمن الجماعي، وتقوم بأجلاء القوات الأميركية عن أراضيها، التي بلغ حجمها ألف فرد من القوات المسلحة الأميركية وكذلك طائرات نقل عسكرية، كانت تتمركز في مطار «ماناس».
ووفق هذه الخطة يمكن القول إن موسكو نجحت في إزاحة التواجد العسكري الغربي وبسط نفوذها على مناطق وسط آسيا وحوض بحر قزوين.
ولكن الأمر ليس بهذه البساطة، لأن تنفيذ هذه الخطط يتطلب موافقة دول ذات سيادة، لها أولوياتها، وترسم سياساتها وفق مصالحها. ما يعني أن الباب أمام الولايات المتحدة لم يغلق بعد.
وهو ما عبرت عنه تصريحات الرئيس القرغيزي كرمان بك باقييف التي اعتبر فيها أن قرار فسخ الاتفاقية الخاصة بنشر القاعدة الأميركية الجوية في مطار «ماناس»، لا يتعارض مع حرص بشكيك على مواصلة مساهمتها في انجاز التسوية في أفغانستان.
وهو ما جعل واشنطن تستمر في محادثاتها مع بشكيك حول تمديد عقد استئجار القاعدة. وقد أعلن الرئيس الأوزبكي كريموف خلال لقائه مع رئيس القيادة المركزية الأميركية ديفيد بيتريوس أن بلاده على استعداد لتطوير التعاون مع الإدارة الأميركية الجديدة.
بعبارة أخرى مازالت إمكانية المساومة لدول المنطقة قائمة استنادا إلى أن موسكو وواشنطن خياران ستضطر هذه الدول إلى التعامل مع أحدهما.
كاتب ومحلل سياسي أوكراني