انهار الاتحاد السوفييتي، لكن روسيا لا تزال قائمة. كانت الصورة أكثر وضوحا في ظل الاستقطاب الثنائي الدولي بين معسكرين كان كل منهما يستطيع أن يعدّ على الأصابع أعداءه وخصومه وأصدقاءه. وكان يفصل في أوروبا بين حلفاء واشنطن والسائرين في فلك موسكو سياجا من الأسلاك الشائكة، هذا إذا لم يكن من الخرسانة المسلّحة.
انهار «الستار الحديدي» في أوروبا ولا عودة له في الأفق المنظور. لكن روسيا بالنسبة لخصوم الأمس، أميركا على رأسهم، لا تزال مبعث الكثير من الأسئلة. فهل هي شريك ؟ أم خصم مهدد؟ أم عدو استراتيجي؟. الإجابات متعددة ومتباينة، بل ومتناقضة أحيانا.
الأكيد هو أن علاقة الولايات المتحدة مع روسيا لم تكن بين أولويات إدارة جورج دبليو بوش، ولا حتى بالنسبة لإدارة كلينتون قبلها. والأكيد هو أن هذه العلاقات كانت عند وصول الرئيس اوباما إلى الرئاسة في النقطة «صفر».
بالتالي هي بحاجة لـ«الإقلاع من جديد»، حسب قول نائب الرئيس الأميركي جو بايدن قبل أسابيع في ميونيخ، وما أكّده اوباما نفسه قبل أيام بالقول:«أملي هو أن نقيم علاقات مثمرة في الميادين التي يمكننا أن نحرز تقدما فيها في ظل الاحترام المتبادل».
فما هي الميادين التي يمكن تحقيق تقدّم فيها؟.
لكن بالأحرى ما هي الميادين التي هناك صعوبات حقيقية فيها؟. إنها كثيرة.
وليس أقلّها جديّة تباين وجهات النظر، إلى حد التعارض الجوهري أحيانا، حول دور الحلف الأطلسي ومجال عملياته وقبل كل شيء مسألة توسيع إطاره شرقا وصولا إلى تخوم روسيا. واشنطن ترى في ذلك التوسيع عاملا في دعم استقرار القارّة القديمة. وموسكو ترى فيه اختراقا لما تعتبره مجالها الاستراتيجي «الأمني». من المفيد التذكير هنا أن هناك تباينا في الموقفين الأميركي والأوروبي فيما يتعلّق بالعلاقة مع روسيا.
فالاتحاد الأوروبي لا يريد أن تقتصر على العلاقات بين الحلف الأطلسي وروسيا، وبالتالي على الأوروبيين أن يدافعوا عن مصالحهم الخاصّة ولا ينخرطوا في المنافسات الأميركية ـ الروسية التي قد لا تعنيهم مباشرة.
وتباين كبير بين وجهات النظر الروسية والأميركية حول مسألة نزع الأسلحة النووية الاستراتيجية. كان التوقيع على الاتفاقيات الخاصّة بهذه الأسلحة والمعروفة باسم «سالت» قد جرى عام 1991 وينتهي مفعولها في شهر ديسمبر المقبل.
روسيا تسعى لتجديدها مما يخفف من التفوّق العسكري الأميركي في هذا الميدان، من جهة. ومن جهة أخرى يخفف من الأعباء المالية عليها. أميركا تدرك أن تجديدها ورقة رابحة بيدها ولا تريد التفريط فيها بدون ثمن.
وهناك رفض روسي لمشروع إقامة درع صاروخية أميركية في شرق أوروبا وغضب روسي حيال استقلال كوسوفو مقابل غضب أميركي وأوروبي بشأن استقلال أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية وحيال اجتياح قوات روسية لأراضي جيورجية في شهر أغسطس الماضي.
وقبل كل شيء هناك مسألة المسائل بين واشنطن، مدعومة من أوروبا، وبين موسكو حول الملف النووي الإيراني. هناك آراء غربية كثيرة تؤكّد أن روسيا لا تريد «التفريط» بورقة علاقاتها مع إيران. وبعض المحللين يذهبون بعيدا في التحذير من نوايا موسكو وعدم استعدادها لتقديم أي تنازل بهذا الشأن.
هذا وصولا إلى قول أندريه بيونتكوفسكي، الذي تجد نصائحه آذانا صاغية لدى النخبة الأميركية، ما مفاده: «من الواضح أن السلطة الروسية لها مصلحة في أن تفقد إسرائيل صبرها وتقوم بقصف المنشآت الإيرانية. فذلك سوف يثير أزمة كبرى في الشرق الأوسط مما سيرفع كثيرا من أسعار البترول وينقذ نظام بوتين المتهالك بسبب الأزمة الاقتصادية».
هناك إذن الكثير من الملفات العالقة تسمح بالتساؤل المشروع عمّا إذا كانت التباينات والخلافات المتكدّسة، الجديدة والموروثة، بعيدة عن أجواء ما قبل 30 سنة وإذا ليس فيها رائحة «حرب باردة جديدة»؟. بالتالي كل انطلاقة جديدة تتطلّب بالضرورة رفع «الصدأ» المتراكم بسبب الإهمال المتعمّد لروسيا من قبل الإدارة الأميركية السابقة. ولا شك أن انتخاب اوباما الذي هزّ أميركا من أعماقها وأثار حماس العالم يسهّل مهمّة مدّ الجسور.
الخطوة الأولى في هذا السبيل قد تعبّر عنها الحركة الدبلوماسية الأميركية في كل الاتجاهات. هيلاري كلنتون انتقلت بعد رحلتها إلى شرق آسيا دون استراحة عمليا بين أوروبا والشرق الأوسط.
وأينما حلّت وزّعت الابتسامات والوعود بفجر جديد من العلاقات مع أولئك الذين توجّه حديثها لهم. وإذا كان من السهل «التعرّف» على مقاصد التوجّه الدبلوماسي الأميركي الجديد حيال مختلف المحطات التي مرّت فيها، بما في ذلك المحطّة الصينية التي حملت عنوان «العلاقات الاقتصادية والتجارية» فإن المرامي من التوجّه نحو روسيا هي ذات طابع جيوسياسي أبعد وأعمق.
من الملاحظ أنه منذ وصول الرئيس اوباما إلى البيت الأبيض يتم التحرّك باتجاه روسيا فيما يبدو كـ«مقايضة» تقوم واشنطن بموجبها تقديم تنازلات لموسكو حول مسألتي مشروع الدرع الصاروخية الأميركية في أوروبا وتوسيع إطار الحلف الأطلسي. والمقابل؟ تغيّر موسكو من مواقفها حيال الملف النووي الإيراني وأفغانستان.
هذا هو مضمون رسالة «سريّة» وجهها الرئيس اوباما للرئيس الروسي ميدفيديف قبل أسابيع ونشرت خبرها صحيفة نيويورك تايمز.
الأوروبيون عامة باستثناء بعض دول أوروبا الشرقية والوسطى التي كانت تدور في فلك الاتحاد السوفييتي، يؤيدون التوجّه نحو الانفتاح على روسيا، وليس «حصارها» على خلفية رغبة تاريخية دفينة. هذا خاصة أن روسيا هي أحد مصادر الطاقة الأساسية بالنسبة لهم. مع ذلك تبقى هناك أسئلة كثيرة حول النوايا الحقيقية الروسية والغربية على العموم.
إذ رغم «التناغم» الكبير في الخطابين المتبادلين قبل أيام في جنيف بين وزيرة الخارجية الأميركية، كلينتون، ووزير الخارجية الروسي لافروف، هناك العديد من الاستراتيجيين الأميركيين والأوروبيين النافذين يصوّرون السواد الأعظم من أصحاب القرار الروس الحاليين، على رأسهم فلاديمير بوتين، انهم «معادون حتى النخاع» للولايات المتحدة.
ولا يتردد البعض في التأكيد على وجود تيار في روسيا يؤيد بقوّة الانفتاح على الغرب وأن قائده ليس سوى الرئيس الروسي ميدفيديف نفسه. ولم تتردد «الواشنطن بوست» في أن تكتب مؤخرا أن وجود «نزاع» داخل النخبة الروسية الحاكمة يشكّل سببا إضافيا لشروع إدارة اوباما بالحوار مع موسكو من أجل «تعزيز معسكر ميدفيديف».
أمام هذا كلّه، وفيما هو أبعد من الابتسامات والوعود، والوعود «المضادة»، هل نحن أمام مشاريع «مقايضات» ذات أبعاد استراتيجية، قد تنجح أو تفشل، أم أن «لعبة كبرى» جديدة ترتسم ملامحها في الأفق؟.
كاتب سوري ـ باريس
