ونقصد بالحل طبعاً حل مجلس الأمة الذي يترقبه جميع الكويتيين والذي بات حديث دواوينهم وأنديتهم وتجمعاتهم!! والعجيب أن قوى اجتماعية وسياسية شتى تدفع الأمور إلى الحل رغم أن عمره لم يصل إلى عام واحد بل في حقيقة الأمر فهو بالكاد يتجاوز النصف عام منذ أن التأم عقده في مايو من العام الماضي (2008 )!!
آخر تلك القوى يمثله أحد نواب السلف المتشددين واسمه محمد هايف المطيري، الذي هدد باستجواب رئيس مجلس الوزراء الشيخ ناصر المحمد بسبب قيام «لجنة إزالة التعديات على أملاك الدولة» ويرأسها الفريق محمد البدر بهدم «مسجد الفنيطيس»، وهو مسجد صغير «غير مرخص» يقع بعيداً عن العاصمة، بني في فترة الخمسينات من القرن الماضي.
وكان ردة فعل الشيخ ناصر المحمد إيجابياً فأصدر أمراً بمنع هدم المساجد «غير المرخصة»!! غير أن النائب لم يكتف بذلك، بل أصر بأنه سيقدم استجوابه إذا لم يقدم رئيس الوزراء الفريق محمد البدر إلى النيابة باعتباره قد خالف قانوناً ينص على المحافظة على المباني الأثرية!!
ويأتي هذا «التلويح» بالاستجواب في إطار حالة سياسية متوترة وغير مستقرة يمكن أن نطلق عليها حالة «استجوابات بالجملة» تشهدها الكويت، وهو وضع يعطل عمل مؤسسات الدولة وأجهزتها، لأن الكل أصبح يخاف من «الهفوات» أو «السقطات» الإدارية التي قد «يتصيدها» هذا النائب أو ذاك ليسجل من خلالها «نقاط» في مرمى الحكومة.
وكأن العمل البرلماني في الكويت تحول إلى مباراة لكرة القدم وليس عملاً سياسياً يحسب القائمون عليه حساب عواقب مواقفهم وأفعالهم آخذين بعين اعتبارهم توازن القوى الداخلي وأوضاع الجوار الجغرافي!!
و«موضة» الاستجوابات بالجملة التي بدأت منذ فترة، دشنتها الحركة الإسلامية الدستورية، التي تعرف اختصاراً بـ«حدس» والتي تمثل حركة الإخوان المسلمين في الكويت، حيث رأت في قرار إلغاء مجلس الوزراء لاتفاق وزارة النفط المبدئي مع الشركة الأميركية «داو كميكال» انتقاصاً من مكانتها لأن وزير النفط السابق محمد العليم، الذي قام بالاتفاق المبدئي محسوب عليها فضلاً عن بعض كبار موظفي القطاع النفطي!!
وموقف «إخوان الكويت» هذا يراه المراقبون كمنعطف سياسي جديد، فهو يمثل بداية لـ«فك» التحالف القائم بينهم وبين الحكومة، وهو التحالف الذي قارب أن يكمل عقوداً أربعة!!
وما أن قدمت «حدس» استجوابها حتى سارع غرماؤها في «التجمع الشعبي» بتقديم استجواب آخر لرئيس مجلس الوزراء مستندين إلى تقرير أصدره ديوان المحاسبة (وهو ديوان رسمي يتبع مجلس الأمة) وبين فيه بعض المخالفات المالية التي وقعت في ديوان رئيس الوزراء!!
وهذا التجمع يترأسه رئيس مجلس الأمة السابق السيد أحمد السعدون، ويضم في عضويته نواباً قبليين وحضر ونواباً من الشيعة، ويتخذ من «الشعبوية» أسلوباً لعمله ولطرح مطالبه. ويضم التجمع نواباً «ذوي حناجر قوية» لعل أشهرهم النائب مسلم البراك!! وقد رفض التجمع مشروع الحكومة لإنقاذ سوق الأوراق المالية!!
ويستبعد المتابعون للشأن الكويتي حل المجلس «حلاً غير دستوري» لأن هذا الحل قد جرب مرتين، وفي كلتاهما كانت له عواقب اقتصادية وسياسية كارثية!! ففي الحل الأول، الذي جاء في أغسطس من العام 1976 صعدت البورصة صعوداً جنونياً، لتهوي أسعارها بحدة بعد أشهر قليلة (أوائل 1977) وليتسبب ذلك بخسائر فادحة للمساهمين، ثم تطور التداول وتأسست شركات خارج السوق المنظمة لينتهي ذلك «بكارثة سوق المناخ» في العام 1982.
والتي ما زال المجتمع الكويتي يتجرع آثارها في برنامج «المديونيات الصعبة».!! أما الحل الثاني الذي تم بعد الأول بعشر سنوات (1987) فقد أدخل البلاد في شقاق وجدل حول عودة العمل بالدستور والمطالبة بذلك، وعاشت الكويت عام 1990 مضطربة فيما سمي بـ«ديوانيات الاثنين» ليصحوا أهلها في صباح الثاني من أغسطس وقوات صدام حسين تحتل بلدهم!!
غير أن «الحل الدستوري» أيضاً لن يضع للمشكلة حداً، فقد جرب مثل هذا الحل أكثر من مرة دون أن يؤدي إلى استقرار الحياة النيابية، فأصحاب «الحناجر القوية» و«الأصوات العالية» و«مرشحو» الحركات الدينية المنظمة هم الذين سيحتلون مقاعد المجلس ثانية «فلا طبنا ولا غدا الشر»، كما يقول المثل الخليجي!!
وهو وضع يمثل مأزقاً حقيقياً!! وفي هذا الجو المتأزم والمترقب للحل، تتداول الصحف نية الجهات الحكومية استصدار قانون في «فترة الحل القادم» تحت بند «قوانين الضرورة» يتم بموجبه التخلي عن الدوائرالانتخابية الخمس والعودة إلى التقسيم العشري، والذي كان معمولاً به منذ بدء الحياة النيابية في الكويت في العام 1962 إلى أن استبدل بنظام الخمس والعشرين دائرة الذي عمل به منذ العام 1981!!
ويمكن القول باختصار أن حالة القلق والترقب بل وحالة «التشاؤم» تلف الشارع الكويتي دون أن تلوح في الأفق بوادر واقعية لحل الأزمة!!
كاتب كويتي