وصلت قافلة (شريان الحياة) أخيرا إلى هدفها النهائي في قطاع غزة لتكون اكبر حملة تضامن مع الشعب الفلسطيني في القطاع خاصة وفي الاراضي الفلسطينية عامة منذ العدوان الاسرائيلي الذي استمر قرابة الشهر على الفلسطينيين واحدث دماراً وخسائر غير مسبوقة، ويعتبر هذا الإصرار من جانب المنظمين للقافلة والمرافقين لها من البريطانيين والعرب بمثابة علامة اكبر على الغضب والاستنكار الذي مازال يعم العالم بسبب هذه الهمجية والغوغائية التي اظهرتها قوات الاحتلال الاسرائيلي خلال العدوان على غزة حتى أن الامر ليبدو وكأن العالم يحاول مداواة جروحه التي اصابت ضميره وأخلاقياته لانه سكت على التعنت الاسرائيلي لفترات طال أمدها.

وكذلك سكت على الاعتداءات السابقة دون اتخاذ مواقف واضحة وصارمة تشعر القيادات الاسرائيلية المتطرفة أن الطريق ليس ممهداً امامها لضرب الفلسطينيين وتدمير بنيتهم التحتية متى شاءت تلك القيادات أن تغير اوراق اللعبة فيما يتعلق بالتوازنات السياسية الداخلية او فيما يتعلق بالضغوط الدولية والاقليمية الرامية إلى وضع خطوط عريضة لمسار تفاوضي واضح المعالم.

إن التوافد الدولي على غزة هو في بعض منه ايضا تعبير عن حجم الفزع الذي اصاب اصحاب الضمائر الحية من هذه الاعتداءات وايضا من الدعم المتوالي من جانب الدول الكبرى لاسرائيل. لكن المحصلة أن القضية الفلسطينية صارت ملء السمع والبصر من العالم كله ولم يعد بمقدور احد من الساسة او الشعوب أن يتجاهل حجم المأساة التي يعيشها الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال الاسرائيلي، وهي فرصة تاريخية لقادة الفصائل الفلسطينية أن يستفيدوا من هذا الزخم العالمي المناصر للقضية وان يتحولوا الى التوافق بدلا من الشقاق، خاصة وانهم امام ظرف مفصلي بعد استقالة حكومة فياض والتمهيد لتشكيل حكومة وحدة وطنية نأمل أن تكون حاسمة وقوية هذه المرة ومشتملة على كافة اطياف المجتمع الفلسطيني وأن يكون الحوار الوطني الذي يبدأ اليوم في القاهرة مقدمة لنتائج ذات شأن في هذا الامر الحيوي والهام.

مع الوضع في الاعتبار طبيعة الحكومة الاسرائيلية التي تتشكل الآن والتي تؤشر إلى مستقبل يميل إلى التوتر اكثر من ميله الى الهدوء، وهو امر يستدعي ان يتأهب الفلسطينيون لكل الاحتمالات استنادا الى تجاربهم السابقة مع هذا النوع من الاحتلال الذي لا يقيم وزنا لأي اعراف دولية او قيم انسانية، بل يعنيه في المقام الأول اصطناع الازمات والعراقيل لتعطيل القرارات والاتفاقات والتفاهمات التي تستهدف التوصل إلى حل للصراع العربي الاسرائيلي وقيام الدولة الفلسطينية المرتقبة.

إن المصالحة الفلسطينية ليست ترفا او اختياراً او رغبة شخصية لدى البعض وامرا مرفوضا لدى الآخر، بل انها حتمية تمليها استحقاقات القضية وحساسية المرحلة، والتاريخ لن يرحم اولئك الذين سيقفون حائلا امام تحقيق رغبات وطموحات وآمال الشعب الفلسطيني الذي تحمل عبئا تنوء بحمله الجبال واستحق تقدير وتعاطف العالم كله وتشهد قافلة (شريان الحياة) بذلك.