ثلاثة مواقف استراتيجية ميّزت ساحة العمل الدبلوماسي خلال الأيام القليلة الماضية، وفسحت بالمجال أمام كثير من التكهنات المليئة بالتفاؤل بخصوص الوضع الدولي الممتد من شرق ووسط أوروبا تحديدا إلى منطقة الشرق الأوسط.

هذه المواقف جعلتنا نتساءل فيما إذا كنا أمام مرحلة جديدة تحاول فيها إدارة الرئيس الأميركي الجديد تحرير نفسها كلّيا من آثار السياسة الفاشلة لسلفه على الصعيد الدولي، أم أن ما نشهده هو بداية تكتيك جديد ستسعى من خلاله هذه الإدارة لتمييز نفسها في طريقة الأداء الدبلوماسي فقط.

لكن يتبيّن من الخيوط الأولية لما نرصده بأن الرئيس أوباما سيحرص بجميع الأحوال لاستعادة زمام المبادرة في ما يخص طريقة تحرّك إدارته في الأماكن الساخنة حول العالم وفي كيفية إدارتها للملفات المرتبطة بها. وتاليا، الانطلاق من مرحلة المراوحة السلبية أو الضربات الغبية التي ميزت أداء إدارة بوش إلى مرحلة جديدة من العمل الدؤوب الهادف لتحقيق جملة من الأهداف التي لا نعرف حتى الآن طبيعتها النهائية.

وانطلاقا من هذا التحليل برزت أمامنا تلك المواقف البارزة التي ذكرتها سابقا، والتي ستشكل باعتقادي نقطة تحول مهمة في كيفية إدارة الصراع الدولي المستعر ببطء منذ بضعة أعوام، وذلك لأنها ستنقل هذا الصراع من مرحلة إلى أخرى قد تحمل البشائر في ما يخص طريقة مقاربة بعض الملفات المطروحة بإلحاح.

أولى تلك المواقف ما صدر مؤخرا عن قمة حلف الناتو بخصوص إعادة إحياء العلاقات مع روسيا بشكل كامل، وإعادتها للمستوى الذي كانت عليه قبل اندلاع الحرب الروسية ـ الجورجية.

وبرغم بعض المواقف السلبية التي صدرت عن دول صغيرة كانت تدور سابقا في الفلك السوفييتي، إلا أن الموقف العام الذي صدر بحضور وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون قد عكس رغبة حقيقية من قبل هذا الحلف لإزالة التوتر الذي ساد بين الطرفين خلال المرحلة الماضية، وكانت له حصة رئيسية في تأجيج بؤر توتر أخرى تتأثر بشكل آلي بأي تدهور للعلاقات بين القوى العظمى.

وبدا بوضوح من خلال المداولات التي جرت خلف الكواليس وأمامها أيضا، بأن عملية كسر الجليد حرّكتها النية الحقيقية التي عكستها تصريحات وتحرّكات الإدارة الأميركية الجديدة في أكثر من مكان، لكن أيضا ما وصف بالمصالح المشتركة الكثيرة القائمة بين الطرفين، والتي يمكن البناء عليها والانطلاق منها لمراحل أكثر تطورا.

ثاني تلك المواقف هو ما تمخض فجأة عن المحادثات الروسية ـ الأميركية المباشرة التي جرت مؤخرا في بروكسل على مستوى وزراء للخارجية، والتي أعلن بعدها الجانبان عن فتح عصر جديد من العلاقات الثنائية سيُستهلّ بخفض عدد الرؤوس النووية والمضي قدما بمشروع إزالة أسلحة الدمار الشامل بشكل تدريجي.

وكما هو معروف، فأن هذا النوع من الدبلوماسية يهدف عادة لمد جسور الثقة وكسر آفاق أي توتر، لكنه يساعد بلا شك في التأسيس لتعاون جديد من نوعه يهدف لحلحلة كثير من الملفات الساخنة حول العالم، وهو ما تبيّن مؤخرا من خلال التوافق على التعاون في مجال ردع أي طموح نووي عسكري لدى كل من إيران وكوريا الشمالية على وجه التحديد.

هذا على الأقل ما تبيّن من خلال اللقاء الأخير الذي جمع لافروف وكلينتون، والذي حرص الجانبان على وضعه في إطار المساعي الهادفة لجسر الهوة التي أخذت تتعمق بين الجانبين بشكل خطير خلال الأعوام القليلة الماضية.

ـ المسألة الثالثة التي يجب أخذها بعين الاعتبار في هذا السياق والتي ترتبط بشكل وثيق في ما سبق من مواقف، هو ما صدر عن الرئيس الأميركي نفسه من تطمينات ومؤشرات مباشرة بخصوص الدرع الواقية من الصواريخ المعادية، وتركيزه تحديدا على إمكانية الانسحاب من هذا المشروع في حال قدّمت إيران بدورها تطمينات محددة بخصوص برنامجها النووي.

ولأن هذه المؤشرات الأميركية هي موجّهة بالدرجة الرئيسية إلى روسيا قبل أن تكون موجهة إلى إيران نفسها، فأنها لعبت دورا بارزا في إطلاق مشروع تقريب وجهات النظر بين القوتين العظمتين في ما يخص الملفات الممتدة من وسط أوروبا إلى منطقة الشرق الأوسط، وفتحت الآفاق بالتالي لعهد جديد في العلاقات الدولية قد يتميز هذه المرة بجرعة أكبر من الانفتاح وتبادل الآراء.

لا شك بأن ما جرى من انفراج سريع في العلاقات الدبلوماسية بين واشنطن وموسكو هو أمر في غاية الأهمية لأنه سيرسم خطوط التحرك الدبلوماسي الدولي في أكثر من منطقة خلال المرحلة المقبلة.

هذا يقودنا حتما إلى منطقتين حسّاستين في ما يخص دوائر النفوذ لكلا الطرفين وهي وسط أوروبا والشرق الأوسط، حيث أن الصراع الدبلوماسي خلال الحقبة الأخيرة تمركز فيهما من خلال مجموعة من الملفات الساخنة ومنها الدرع الواقي وتوسيع حلف الناتو باتجاه الشرق، بالإضافة للبرنامج النووي الإيراني والصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي وغيرها كثير.

هذا لا يعني بأن مناطق العالم الأخرى ستبقى بمنأى عن هذه التجاذبات، لكنها لن تحظى على الأرجح بنفس الاهتمام الجدي، على الأقل في المراحل الأولى من عهد الإدارة الأميركية الجديدة.

وأمام هذه الحقائق يتساءل كثيرون عمّا إذا كانت منطقة الشرق الأوسط، وتحديدا أصحاب القضية قد باتوا مستعدين فعلا لمواجهة المرحلة الآتية، وفيما إذا كانوا قادرين على التعامل مع عناصرها الجديدة بثقة وثبات مثلما هو مطلوب منهم في مثل هذه الظروف الحساسة.

أنه تساءل محق فعلا، لأنه كما تدل المؤشرات الكثيرة فأن مشروع السلام سيكون من الأولويات الرئيسية للإدارة الأميركية الحالية، وهو حتما أولوية روسية دائمة وإن كانت هذه الدولة لم تفعل الشيء الكثير لتحريك مسيرته.

أننا إذا أمام مرحلة جديدة قد تحقق بعض الآمال. فلنحسن قراءتها جيدا.

كاتب لبناني

ezzedine@vol.cz