بعد الاحتلال الأنجلو-أميركي للعراق عام 2003 شرعت سلطات الاحتلال والحكومات المحلية بإنشاء جملة من المؤسسات الدستورية والقانونية.
المحكمة الجنائية العليا الخاصة بالبت في الجرائم ضد الإنسانية هي إحدى تلك المؤسسات. هدفت المحكمة إلى الاقتصاص من رموز ومكونات النظام السابق الذي كان يحكم العراق كي يكون عبرة للآخرين.
فرح الكثيرون من العراقيين وغير العراقيين في دول الجوار بسبب عداء سابق ومعارضة سياسية للنظام وتبعات الحروب والنزاعات مع دول الجوار، دون استثناء تقريباً.
كأية محكمة محلية أو دولية تشكلت محكمة الجنايات العليا الخاصة من قاض ومدعٍ عام ومحاميي دفاع وإثبات ومتهمين ومشتكين وشهود إثبات ونفي.
تعمل المحكمة بالتعاون مع محكمة تمييز وتوجيه مباشر من الأخيرة ومن وراء الكواليس. من بعيد وللعوام تبدو المحاكمات وكأنها تتمتع بالحد الأدنى على الأقل من المصداقية ومعايير ومقاييس تطبيق العدالة. هنالك مدع عام يقرأ لائحة الاتهام يناقشها القاضي ويعترض عليها المحامون أو يحاولون دحضها بالطرق والأساليب القانونية والمنطقية مدعمةً بالوقائع والحيثيات.
لكن ملاحظات عامة وهامة على سير جلسات وأعمال المحاكمات الجارية تجعل من المحكمة جسماً مشكوكاً بأمره بشكل صارخ.
أولاً يُجلب المتهمون إلى قفص الاتهام كمجموعة من الأسرى أو المحتجزين أو حتى الحيوانات البرية. تراوحت مستويات المحتجزين في الإدارة والحكم سابقاً ما بين رئاسة الجمهورية في العهد السابق إلى درجة مُخبر أو متعاون متهم في جهاز الأمن العراقي.
كلما أتى إلى منصة أو قُمرة المشتكين شاكٍ وتلا إفادة منه قد تكون مكتوبة أو ملقّنة له سأله القاضي؛ ضد من تريد توجيه شكواك!؟. يرد المشتكي والحال هذه بعبارة على كل من يقبع في قفص الاتهام وعلى أي ممن تثبت إدانته!».
ثانياً منذ بداية عهد المحكمة بدأ مسلسل الاغتيالات ضد أعضاء لجنة الدفاع عن المتهمين بشكل رئيسي، والطرف الآخر بشكل أقل كثافة. قُتل عدد من المحامين وجُرح آخرون وهرب الناجون إلى الخارج، خاصة إلى الدول المجاورة.
من جانبها عينت المحكمة محامين رفضهم المتهمون وجرت المرافعات بأسلوب من السرية يعتمد إخفاء صور المحامين المنتدبين وتمويه أصواتهم. المشتكون والشهود في كثير من الأحيان يتلون ما بجعبتهم من وراء ستار وُضع خصيصاً.
ثالثاً كثيراً ما اكتشفت هيئة المحكمة أن خطابات الشاكين وشهود الإثبات قد أُعدت من قبل أحزاب سياسية وطائفية. إضافةً فالمشتكون والشهود اختيروا بطريقة انتقائية واضحة للعيان ليحملوا لوناً ونفَساً طائفياً أو عرقياً معيناً. يتغاضى القاضي عن خروقات الشاكين القانونية بشكل صارخ في حين تثور ثائرته لدى السماع للمتهمين والمدافعين عنهم من المحامين وشهود النفي.
رابعاً فإنه في كل القضايا المطروحة هنالك قاضيان فقط. هذان يشرفان على البت بسبحة طويلة من القضايا الكبيرة والمعقدة الشائكة والخطيرة.
يقبع أمامهما في قفص الاتهام عدد كبير نسبياً من المتهمين، أحياناً اقترب من العشرين. بالذات شملت القضايا حادثة مدينة الدجيل عام 1982، عمليات الأنفال العسكرية شمال العراق عام 1988، قضية إعدام التجار عام 1992، التمرد أو الانتفاضة في الجنوب عام 1991، قمع وتصفية البارزانيين (عشيرة البارزاني)، حادثة صلاة الجمعة عام 1999، قمع وتصفية الأحزاب الدينية طوال الحرب مع إيران، وقضية مدينة حلبجة العراقية مع الأسلحة الكيماوية عام 1988.
خامساً لم تتمكن المحكمة من تعيين قضاة ومدعيي عام يتمتعون بالحد الأدنى من المهنية والنزاهة والحيادية. بشكل واضح يتعاطف القضاة والادعاء العام مع أقوال المشتكين وشهود الإثبات، في المحكمة وأمام وسائل الإعلام.
بالمقابل يظهرون صرامةً واشمئزازاً وتهكماً إزاء المتهمين، ومعهم شهود النفي. ذلك ما يجعل المحكمة تدخل في عداد مكونات جهاز المساءلة والعدالة (سابقاً اجتثاث البعث) الذي يتعقب أعضاء وأتباع النظام السابق.
سادساً لم تستفد المحكمة من أساليب محاكمات دولية مشابهة جرت في الماضي وأخرى تجري الآن في أجزاء متفرقة من العالم. القضايا والاتهامات لا تقل فظاعةً وخطورةً. في تلك المحاكم يمثُل كل متهم وحيداً ويواجه بحقائق دامغة إلى حد بعيد وشهود ميدانيين.
يقف المتهم وحيداً أمام مجموعة من القضاة والمحامين المعروفين دولياً بنزاهة مشهود لها وحرفية عالية في الأداء، على التوالي!.
سابعاً لم تستفد المحكمة العراقية العليا الخاصة من التقنية العلمية المتقدمة في إثبات الأدلة على الاتهامات أو نفيها.
بدلاً عن ذلك اعتمدت المحكمة تقارير وخطابات تسيطر عليها الضبابية والغموض والتوجيه والحشد الإعلامي المستعر منذ عقود. ذلك ما يجعل الأحكام الصادرة قابلة للطعن بها بسهولة، حين إصدار الحكم وقبل أو بعد فوات الأوان في تنفيذ الأحكام.
ثامناً، ثمة أخيراً هنا!، فلقد احتاجت القضايا إلى فترات طويلة وجلسات كثيرة لتقرير طبيعة الأحكام الصادرة. اعتبر أعضاء المحكمة أن تلك صفة إيجابية لصالح منهجيتها كي تأخذ الوقت الكافي للتحقق من دقة تطبيق العدالة. مل المتهمون طول جلسات المحاكمات دون تمتعها بالحد الأدنى من دقة الوصف والتركيز على وضع النقاط على الحروف. بات منظراً مألوفاً رؤية عدد من المتهمين في قفص الاتهام يغطون في سهو أو حتى نوم عميق أثناء قراءة أو مداخلة من قاض أو مدع عام أو مشتك أو شاهد إثبات.
في العراق ما بعد الاحتلال يواجه الشعب العراقي حالة غير مسبوقة من التعس والشقاء. تمثل المحكمة الجنائية العليا الخاصة جزءاً خاصاً من هذا النحس والشقاء. ذلك بدل أن تساهم في إعطاء العراق القانوني وجهاً أكثر حضارياً أمام العالم.
المحكمة العراقية الجنائية العليا الخاصة تضع المتهمين في قفص كما لو كانوا أغناماً أو وحوشاً جُلبت من الغابة، دون محامين ودون شهود نفي. توجه المحكمة لهم تهماً تحمل صفة العقوبة الجماعية تبعاً للون سياسي أو مذهبي أو عرقي أو اجتماعي يحملونه.
جامعة الإمارات