قدمت حكومة السيد سلام فياض استقالتها الى الرئيس الفلسطيني محمود عباس في خطوة فسرها الكثيرون على انها تهدف الى توفير فرص نجاح للحوار الفلسطيني الذي يبدأ أعماله على مستوى اللجان في القاهرة اليوم.
حكومة السيد فياض لم تكن شرعية في الاساس، ولم تتم المصادقة عليها من المجلس التشريعي، وسميت بحكومة طوارئ او تصريف الاعمال يوم تشكيلها، ولكنها ظلت تصرف هذه الاعمال لأكثر من عام تقريباً.
المشككون بهذه الاستقالة والاهداف الكامنة خلفها، خاصة في حركة 'حماس'، قالوا انه ليس لها اي علاقة بالحوار، وانما تعود الى وجود خلافات بين رئيسها فياض والرئيس عباس نفسه، وعجزها عن توفير الاموال اللازمة لدفع رواتب الموظفين التابعين لها، حيث اضطرت الى استدانة سبعين مليون دولار من البنوك المحلية لمواجهة مسؤولياتها في هذا المضمار.
بعض هذه الاتهامات صحيحة، فأوساط حركة 'فتح' لم تكن وداً تجاه السيد فياض وحكومته، بسبب الصلاحيات السياسية والمالية والامنية المتزايدة للرجل، في مقابل تراجع صلاحيات ومهام عناصر 'فتح' القيادية، والسيد احمد قريع (ابو العلاء) رئيس فريق المفاوضات.
السيد فياض اصبح المسؤول الاول عن الملف الامني، والتنسيق مع الجنرال الاميركي كيث دايتون حول كيفية اعادة بناء الاجهزة الامنية على اسس مهنية وغير فصائلية على حد وصفه، كما انه تحول الى صاحب الكلمة العليا حول كيفية صرف الاموال والمتحكم الاول بالتعيينات والترقيات، الامر الذي أثار غضب الكثيرين في الحركة.
رئيس الوزراء المستقيل يرد على الحملات ضده من قبل عناصر في اوساط حركة 'فتح' بانه يقدم الكفاءة والمهنية على الفصائلية وانتماءاتها، وتنفيذ شروط ومواصفات الدول المانحة التي تمول السلطة وميزانيتها، وهناك من يرى انه محق في ذلك.
توقيت الاستقالة ربما يثير الكثير من علامات الاستفهام. فمن غير المتوقع ان يعطي الحوار الفلسطيني ثماره في ايام معدودة. وكان من المفترض ان ينتظر السيد فياض كيفية تطور الحوار وعلى ضوء نتائجه يقرر موقفه، اي الاستقالة او الاستمرار في منصبه.
فهل تقديمها في هذا التوقيت هو رسالة الى منتقديه في السلطة مفادها انه زاهد في الحكم والحكومة، وان عليهم تدبير امورهم، ام انها رسالة الى حركة 'حماس' تقول لهم انه مستعد للتعاون معهم في حال الاتفاق على حكومة وحدة وطنية، تترأسها شخصية مستقلة من التكنوقراط ومقبولة من الغرب والدول المانحة على وجه الخصوص؟
من الصعب اطلاق احكام قاطعة حول صوابية اي من الاحتمالين. لكن ما هو واضح ان الدول الغربية المانحة قد يكون لها رأي حاسم في اختيار رئيس الوزراء المقبل. ولم تخف رغبتها في عودة السيد فياض على رأس اي حكومة جديدة، لانه يشكل في رأيهم 'صمام امان' حول كيفية انفاق الاموال بطريقة مسؤولة خاضعة للمحاسبة.
الاستقالة جاءت مناورة ذكية، توجه اكثر من رسالة لأكثر من جهة، مع استمرار وزارة السيد فياض في عملها في الوقت نفسه، وبتكليف من الرئيس عباس.
لا بد من التذكير بأن السلطة واقعة تحت الاحتلال والسيد فياض ورئيسه لا يستطيعان مغادرة رام الله دون اذن من ضابط الاتصال في الحكومة الاسرائيلية، اي انها جميعاً مناصب وهمية في نهاية المطاف.
