البقاء لإسرائيل قوية بين جيران لا يحق لهم أكثر من الأكل والشرب وتنفس الهواء، شأنهم شأن البهائم، علماً أن البهائم لها من الحقوق في عالم الحضارة الحديثة وأعرافها أكثر ما لجيران إسرائيل القوية! هذا ما تقول به كل الدلائل وما تشير إليه كل الشواهد المحسوسة وغير المحسوسة. إسرائيل لها الحق في الدفاع عن نفسها بالقتل والتدمير على مرأى ومسمع من العالم أجمع ولا أحد يستطيع ان يتفوه بأوف لدولة الشعب المختار.
وها هو ذا محمد البرادعي المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية يجوب مع فريق الخبراء العالم شرقه وغربه، جنوبه وشماله، مفتشاً عن مكامن الخطر الذري.
إلا إسرائيل فهو لا يجرؤ حتى على انتقادها، ناهيك بمساءلتها أو تعريض منشآتها النووية للتفتيش، لأنها بكل بساطة لم توقع على اتفاقية منع انتشار أسلحة الدمار الشامل! وهي بامتناعها عن التوقيع لها كامل الحرية في عمل ما ترتئيه من بحوث ثم تصنيع ثم تخزين، ولما لا؟ وهي تتصدى لهذا الكم الهائل من الأعداء المتربصين بها من كل جانب، أعداء لا مخلب لهم ولا منسر! سوى التنديد والشجب إلخ..
بالأمس استنكرت هيئة الطاقة النووية قيام سورية بنصب منصات صاروخية في موقع «الكبر» المدمر والذي قيل إنه مفاعل نووي، وجاء الاستنكار على خلفية «مساعٍ سورية مشبوهة» لبرنامج نووي بالتعاون مع كوريا الشمالية! كلام فيه الكثير من الاستغراب والغرابة، فسورية التي تحتل إسرائيل جزءاً من ترابها الوطني لا يحق لها نصب صواريخ، بل لا يحق لها التزود بالسلاح الحديث لئلا تعرض أمن إسرائيل المدججة بأحدث أسلحة الدمار للخطر! علماً أن مخزون إسرائيل من الأسلحة النووية يزيد على مائتي رأس نووي فقط لا غير!
والغريب ان البرادعي وفريق عمله لا يخجلون من ترديد الزعم بأن سورية تسعى فعلاً إلى امتلاك السلاح النووي، لقد كان الأجدر به أن يصمت، اذا كان لا يقدر على الاستقالة لما في هذا المنصب من منافع ضخمة يسيل لها اللعب، وتغري بالتضحية بالمبادئ الإنسانية النبيلة؟
إنهم يريدون لنا معشر العرب ان نظل مجردين من أبسط مقومات القوة في وجه عدو لا يتورع عن ارتكاب الجرائم على مدار الساعة. إن انتقاد سورية لبرنامجها النووي المزعوم رسالة تحذيرية لسائر العرب بعدم التفكير في عمل كهذا، وإلا فإن آلة الدمار الصهيونية قادرة على ضرب الجميع،.
ولهذا فعلينا كعرب ان نمتثل لأوامر العدو حتى لا نثير حفيظته لنبقى حيث نحن لا نحرك ساكناً في وجه التعديات الصهيونية على مقدساتنا وحقوقنا، هذا إذا أردنا أن نأكل ونشرب ونتنفس الهواء! أما اذا طمحنا إلى أكثر من ذلك فما علينا إلا ان نلتمس الشفاعة من تل أبيب وكفيلتها واشنطن! نعم:
تعدو الذئاب على من لا كلاب له
وتتقي سطوة المستأسد الضاري
إن أمة العرب اليوم أحوج ما تكون إلى إعادة النظر في كل ما هو قائم داخلياً وخارجياً، في علاقاتها البينية وعلاقاتها بدول العالم قاطبة، أما إعادة تقييم وضعها العسكري فأمر لا يختلف فيه اثنان ولا مناص من الأخذ به، بل هو على قمة الأولويات هذا إذا كنا حقاً نرغب في البقاء معززين مكرمين محتفظين بتراثنا، إذ لا عز إلا بالسلاح، ولا بقاء إلا بالكرامة.
إننا ننشد السلام كخيار استراتيجي، ولكن علينا ان نعلم أن كل سعي سلمي لا يؤتي ثماره إذا لم تدعمه القوة، وعلينا أن نعلم أيضاً أن الذي يعمل هو القوي، أما الضعيف فإنه يتمنى!
وحتى نكون أقوياء يرهبنا عدونا ويحترمنا صديقنا علينا ان ننتصر على أنفسنا قبل ان ننجز النصر على غيرنا، وهذا لا يتأتى إلا بثمن، وهو التخلي عن الأنانية ونبذ النرجسية، ووأد القطرية وتغليب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، ونعني بها مصلحة الأمة وليست مصلحة قطر على آخر، وهذا يقتضي التكامل والسير فيه إلى آخر المطاف.
وحتى يتحقق هذا الهدف النبيل علينا ان نعطي المواطن الحرية المطلوبة للتعبير والمشاركة الفعلية والحركة برحابة وسعة، ففي ذلك الأخذ بنا إلى مصاف التقدم والرفعة وإلا بقينا فريسة للأطماع يستقوي بضعفنا عدونا فيضاعف من ظلمه وسطوته التي لا حدود لها.
وعلى القادة العرب ان يعلموا قبل مواطنيهم، أن القائد الذي يكسب الأرض ويخسر الشعب لا يمكن ان ينتصر أبداً، فالقيادة فن ولكنه الأنبل بين سائرها.
كاتب إماراتي
