الجنايات الدولية تصدر مذكرة توقيف بحق الرئيس السوداني عمر البشير، والناطق بلسان البيت الأبيض يعلن «ان الرئيس السوداني فار من وجه العدالة»، على الطريقة الكاوبوية الأميركية تماما...!

وفي منتصف تموز/2008 كانت الولايات المتحدة الأميركية قد استصدرت قرارا دوليا عبر مجلس الأمن باعتقال الرئيس السوداني عمر البشير بتهمة اقتراف جرائم حرب تطهيرية إبادية في دارفور، ليصبح الرئيس السوداني مطاردا ومطلوبا للعدالة الدولية ـ وليصبح رأس السودان ـ دولة كاملة ـ مطلوبا عبر البشير ـ تصوروا...!.

انتقد حقوقيون وقانونيون فلسطينيون آنذاك طلب محكمة الجنائية الدولية استصدار مذكرة اعتقال بحق الرئيس السوداني على خلفية ما زعمت أنها مسؤوليته عن جرائم حرب في إقليم دارفور، واتهموها بالتغاضي عن جرائم الإبادة الجماعية التي ارتكبتها وترتكبها إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني منذ سنة 1948، واتهم حسن خريشة النائب الثاني لرئيس المجلس التشريعي الفلسطيني المحاكم والمحافل الدولية، باستغلال الموضوع السياسي الهادف لضرب النظم العربية والتعامل بسياسة الكيل بمكيالين».

مضيفا:«إنه كان من الأولى للجنائية الدولية النظر في الجرائم الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني وتلك التي ارتكبها الرئيس الأميركي جورج بوش بحق العالم«، مختتما:«أن التشريعي الفلسطيني سبق وتقدم بشكوى إلى الجنائية للمطالبة بمحاسبة رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود أولمرت على قراره باعتقال 48 نائبا فلسطينيا، وجرائم الحرب التي ارتكبتها تل أبيب ضد قطاع غزة».

ـ وأوروبيا ـ قامت الحكومة الصربية باختطاف الزعيم الصربي السابق كراجيتش لتسلمه إلى محكمة الجنايات الدولية في لاهاي، بتهمة ارتكاب سياسات تطهير عرقي وجرائم حرب إبادية وإنسانية ـ وقد تم تبرئته منها ـ، بعد ان كانت قد سلمت الرئيس السابق لتلك المحكمة...؟!.

ـ ولبنانيا ـ كان العالم كله بأممه المتحدة ومجلسه الأمني إلى جانب الإدارة الأميركية والاتحاد الأوروبي قد قام ولم يقعد حتى اليوم في أعقاب اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الحريري، والجميع طالب ويطالب بتقديم المجرمين إلى المحاكمة الدولية...!

ونقول ـ لربما تستصدر الولايات المتحدة لاحقا أيضاً عبر مجلس الأمن سلسلة قرارات أخرى باتهام واعتقال المزيد من الزعماء والقادة العرب وآخرين من بعض الدول على نحو انتقائي طبعا، دون ان تقترب من مجرمي الحرب الصهاينة وهم كثر ولا حصر لهم.

فلماذا لا تقترب الأمم المتحدة اذن من مجرمي الحرب الصهاينة...؟!

لماذا لا يطالب العالم باعتقالهم رغم ان هناك كما لا حصر له من الشهادات والوثائق التي تدينهم باقتراف كل أشكال جرائم الحرب والتطهير العرقي ضد الشعب الفلسطيني وفي لبنان أيضاً...؟!

ولماذا لا نجد جدية أو مسؤولية أو أخلاقية دولية في التعامل معهم...؟!

أسئلة كثيرة مطروحة على أجندة العدالة الدولية إزاء مجرمي الحرب الصهاينة...!

فمن المفارقات الغريبة المذهلة أيضاً في إطار المكاييل المتعددة الأميركية والأوروبية والأممية إنهم يغضون النظر عن جنرالات الحرب والإجرام والجرائم والاغتيالات والهدم والنسف والتدمير في «إسرائيل» ويتواطئون مع تلك الدولة التي تعتبر اليوم بالمقاييس والمواثيق والأعراف الدولية والبشرية اكبر واخطر دولة خارجة على القانون الدولي.

في ظل وفي أعقاب المحرقة الصهيونية الأخيرة في غزة، أعلن المقرر الخاص للأمم المتحدة للأراضي الفلسطينية ريتشارد فولك واحدة من أهم الشهادات على المحرقة، إذ«اتهم «إسرائيل» بارتكاب جرائم حرب منهجية غير مسبوقة في غزة«، بينما أعلن الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون- «يجب محاسبة الذين استهدفوا المدنيين ومواقع الأمم المتحدة«، ووصف جون جينج مدير عمليات أونروا «ان ما يحدث في غزة جنون«، في حين دعت العفو الدولية إلى «تحقيق فوري بـ«جرائم إسرائيل»، والأهم أن نحو 500 جمعية عربية وأوروبية وأميركية تقاضي «إسرائيل» باقتراف جرائم حرب»..!.

ورغم كل ذلك- هرعت الإدارة الأميركية كعادتها إلى انقاذ حليفتها المجرمة من اتهامها باقتراف«المحرقة«، فدعت السفيرة الأميركية لدى الأمم المتحدة» سوزان رايس» المجتمع الدولي إلى التوقف عن ما وصفته بـ«تسييس اتهامات الجيش الإسرائيلي» بارتكاب جرائم حرب أثناء حربها على غزة«.

والقت رايس مهمة التحقيق بالجرائم على عاتق المجرم قائلة«يتوجب على إسرائيل التحقيق في اتهامات جيشها بانتهاك القوانين الدولية في الحرب الأخيرة على غزة»، وقالت رايس في أول كلمة لها أمام مجلس الأمن الدولي الخميس «نتوقع أن تفي إسرائيل بالتزاماتها الدولية لإجراء تحقيق ونناشد أيضا جميع أعضاء المجتمع الدولي الامتناع عن تسييس هذه القضايا المهمة».

ولكن ـ على نقيض المواقف الإسرائيلية والأميركية-الأوروبية من الحرب العدوانية على غزة، احتشد كم هائل من المواقف العالمية الأخرى وخاصة على مستوى منظمات وهيئات حقوق الإنسان التي تجرم «إسرائيل» باقتراف المحرقة، وتطالب بمحاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين.

تصوروا القيم والمعايير المقلوبة.. بل يا للنفاق الدولي السافر لإسرائيل المجرمة، فهم الذين يغتصبون الوطن والأرض والممتلكات،وهم الذين يقترفون جرائم الحرب المفتوحة، وهم الذي يذبحون نساء وأطفال وشيوخ وشبان فلسطين في وضح النهار، وهم الذين يدمرون مقومات الوجود والحياة والبقاء للشعب الفلسطيني، بل هم الذين يدمرون أيضاً الشجر والحجر بعد البشر، وأكثر من ذلك هم يعترفون باقتراف المذابح والجرائم ويتفاخرون بها...!

ورغم كل ذلك تمر على سبيل المثال وزيرة الخارجية الأميركية الجديدة على «إسرائيل» وفلسطين ـ رام الله دون ان تلتفت لمحرقة غزة....!

ورغم ذلك نوثق في الخاتمة المكثفة بان «إسرائيل» خسرت أمميا ـ قانونيا ـ أخلاقياً ومعنوياً، وان عدد الشكاوى وطلبات تقديم مجرمي الحرب الصهاينة للمحاكمة قد تصل ربما إلى عدد القنابل التي ألقيت على غزة»....!.

وانه على قدر حجم وهول ومساحة الجريمة والمحرقة، يجب ان يرتفع بالضرورة سقف المقاضاة والعقاب الذي يجب ان يدفعه مجرمو الحرب.

ونوثق هنا أيضاً «ان كافة الشهادات والوثائق والاعترافات، إنما من شأنها ان تشكل «لائحة اتهام» قوية فعالة ضد أولئك الجنرالات، ما قد يسمح وفقا للقوانين والمواثيق الأممية ربما بجلب إسرائيل إلى كرسي الإعدام»...!.

كاتب فلسطيني

nawafzaru@yahoo.com