تمنيت لو أن رؤساء تحرير الصحف العربية ومديري الإذاعات والفضائيات التي تبث على مدار الساعة في سماء العرب نزلوا قليلا من أبراجهم العاجية وتخلوا عن مكاتبهم الوثيرة ساعةً وانضموا إلينا يوم الخامس والعشرين من شهر فبراير الماضي في قاعة «المجلس» بفندق «ماريوت» عمّان ليسمعوا بآذانهم أصوات اليافعين والشباب العرب وهم يُشَخِّصون حالة الإعلام العربي.
ويحددون لقادته معالم الطريق التي عليهم أن يسلكوها كي يصلوا إلى قلوبهم وعقولهم التي ضلوا الطريق إليها، لأنهم صنّاع المستقبل ووارثو هذه الكراسي التي سيحتلونها يوما ما ليعيدوا تشكيل الصورة التي شوهتها أجهزة إعلامنا العربية بما تقدمه لقرائها ومشاهديها ومستمعيها من صور مزيفة للشباب العرب الذين تساهم هذه الأجهزة في تلويث عقولهم ونفوسهم لأنها تتصور أنهم أقل من أن يقدموا للعالم صورتهم بأنفسهم، مرتكبةً بذلك أكبر جريمة في حق نفسها وفي حقهم.
ربما كان اللحن الحزين الذي عزفه الطفل الموهوب مؤيد صبحي عبدو موسى على آلة الكمان في حفل توزيع جائزة الإعلام الإقليمي حول حقوق الطفل الذي نظمه مكتب منظمة الأمم المتحدة للطفولة للشرق الأوسط وشمال إفريقيا بعمان في ذلك اليوم خير معبر عن حال العلاقة بين اليافعين العرب ووسائل الإعلام العربية رغم أنهم أصبحوا يشكلون أكثر من نصف عدد سكان الوطن العربي وفق آخر إحصاءات الأمم المتحدة التي تقول إن أكثر من نصف سكان منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تقل أعمارهم عن 24 عاما، حيث يوجد في المنطقة في الوقت الراهن واحد من كل خمسة أشخاص يتراوح عمره بين 15 و24 عاما، وفقا لتصنيف الأمم المتحدة لفئة اليافعين والشباب.
هذه الظاهرة الديمغرافية كما تقول «سيغريد كاج« مدير اليونيسيف الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تمثل «ثروة محتملة من الموارد البشرية للمنطقة، شريطة أن تتخذ الدول المعنية الاستراتيجيات والسياسات الصحيحة، وأن تخصص الموارد التي هي في حاجة شديدة إليها» مؤكدة أنه «يجب علينا الآن أن نحقق الفائدة القصوى من هذه الفرصة السانحة».
هذه الفجوة تزداد اتساعا بين هذه الفئة التي تمثل المستقبل وبين وسائل الإعلام العربية التي تغرد في سماء بعيدة عن هموم هؤلاء اليافعين واهتماماتهم والقضايا الملحة التي يعيشونها ويحاولون التعبير عنها بطرقهم الخاصة، لكن رسائلهم مع الأسف لا تصل إلى الجهات التي يوجهونها إليها، بدليل شكاواهم المتكررة وطرحهم الذي يكاد يتشابه في كل منتدى أو حوار يديرونه أو يشاركون فيه.
وقد كان هذا واضحا في الندوة الحوارية التي أعقبت حفل توزيع جوائز اليونيسيف للإعلام الإقليمي الذي تم بحضور الملكة رانيا العبد الله في عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية، هذه الجائزة التي يقدمها مكتب اليونيسيف سنويا بالشراكة مع صحيفة «البيان» الإماراتية، وتمنح للتميز في مجال إعداد التقارير الإخبارية المنشورة في وسائل الإعلام العربية عن الأطفال واليافعين والشباب في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وعن قضاياهم.
حوارات اليافعين ومطالبهم في هذه الندوة الحوارية لم تخرج عن مطالباتهم التي سبق أن عبروا عنها في المنتديات السابقة عندما ناشدوا المؤسسات الإعلامية العربية تأسيس مجالات دائمة لفتح أبواب المشاركة الشرعية أمام اليافعين، بالإضافة إلى تطوير برامج تتناول المواضيع الاجتماعية التي تؤثر على الشباب العرب.
ووجهوا نداءً جماعيا للقنوات الفضائية العربية يطالبونها فيه بالتعهد بتطوير قاعدة دائمة لبث وتوزيع المواد والبرامج الوثائقية التي ينتجها الشباب في أوقات منتظمة، هذا النداء الذي لم يجد له صدى منذ أن أطلقه اليافعون في المنتدى الثالث للإعلام العربي وحقوق الطفل الذي عقد في دبي أواخر عام 2007م.
مطالب اليافعين ونداءاتهم لا تتوقف، فهم يقترحون مراجعة المناهج المعتمدة حاليا في كليات الإعلام، وتأسيس اتفاقيات تعاون بين الإعلاميين والأكاديميين لتسهيل رصد الإعلاميين للمجالات المتعلقة بالمعايير الأخلاقية، ويطالبون بمشاركة اليافعين والالتزام بالمبادئ الأساسية للاتفاقية الدولية لحقوق الطفل، ومسؤولية الدولة المباشرة لتوفير إحصاءات وبيانات موثوق بها عن اليافعين.
واستخدام الموارد الرقمية وموارد الانترنت وصحافة الوطن والمسوح عبر الانترنت ومقاطع الفيديو كآليات مباشرة صديقة لليافعين للتعبير عن اهتماماتهم، وكوسيلة عصرية للوصول إلى المستبعدين والضعفاء والمهمشين، ويعترف اليافعون بشرعية المبادرات الإعلامية التي قدمها أقرانهم في عدة دول عربية، ويرون إمكانية توسيعها لتكون إقليمية وعالمية.
اليافعون الذين اجتمعوا في قاعة «المجلس» بفندق ماريوت عمان يعتقدون أن وسائل الإعلام العربية لا توليهم الاهتمام الكافي رغم أنهم يساهمون في المجتمع بطرق مؤثرة لا حصر لها، فهم ينشرون الصحف والمجلات، وينشئون المواقع الالكترونية والمدونات على شبكة الانترنت، ويديرون منشآت الأعمال والمشاريع.
ويقومون بدور القادة في المدارس والمجتمعات المحلية، ويتولى بعضهم إدارة شؤون الأسر، ويقوم بعضهم برعاية الأشقاء الأصغر سنا أو الآباء والأمهات المرضى، ويعمل العديد منهم ساعات طويلة في المصانع والحقول، ويتفجر هؤلاء اليافعون حيوية، ولديهم إمكانية للمساعدة على تقدم العالم.
ويمكنهم تثقيف أقرانهم حول تحديات الحياة ومخاطر السلوك الذي يتسم بدرجة عالية من الخطورة حول حماية أنفسهم من أمراض العصر، ويمكنهم أيضا مساعدة الآخرين كما يساعدون أنفسهم على كسر دوائر العنف والتمييز، وتعمل «اليونيسيف» من أجل اليافعين ومعهم لإشراكهم في أنشطة تؤكد معنى الحياة، وتزدهر أحوال هؤلاء اليافعين عندما يجدون التقدير باعتبارهم مصادر للطاقة والخيال والعاطفة، وكذلك تزدهر مجتمعاتهم المحلية.
لهذا كله كان صوت اليافعين عاليا في ندوة عمّان الحوارية التي أعقبت حفل توزيع جوائز اليونيسيف للإعلام الإقليمي، لأن هذه الجائزة كشفت عورة وسائل الإعلام العربية التي لم يرتَقِ إنتاجها إلى مستوى قضايا هذه الفئة وطريقة تفكيرها، ومدى انفتاحها على الحياة، وحجم معاناتها مع الكبار المسيطرين على وسائل الإعلام التي يوجهونها وفق رؤيتهم الخاصة.
وبالشكل الذي يحقق لهم أكبر نسبة من الدخل الإعلاني والمصالح، على حساب هؤلاء اليافعين والشباب الذين يُعِدُّون أنفسهم للمستقبل بطرقهم الخاصة، مستخدمين وسائل لا سيطرة لأحد عليها في هذا الفضاء المفتوح، وداخل هذه الشبكة العنكبوتية التي لا تعترف بالقيود والحدود، وتوشك أن تهدم الأبراج العاجية على رأس ساكنيها والمتربعين على كراسيها والمتحكمين في مداخلها ومخارجها.
كاتب إماراتي