لم يكن في نيّة الملك عبد الله بن عبد العزيز أن يثير الفتنة بين الفصائل الفلسطينية ويحملها إلى هذه التعقيدات، عندما تبرّع بمليار دولار لإعادة إعمار غزة وتعويض ضحايا الحرب التي أعلنتها إسرائيل، وذلك قبل أن تتبرع أية جهة لمشروع إعادة إعمار غزة .
ولعله كان يظن أنه بهذه المبادرة السخية سيصرف نظر الفلسطينيين عن توترهم واختلافهم باعتبار أن مبلغا بهذا الحجم سيغطي احتياجاتهم ويجعلهم يفكرون بترتيب أمورهم بعيدا عن القلق بشأن التمويل والحاجة المادية .
كانت التقديرات الأولية تقول إن إعادة الإعمار تتطلب مليار دولار؛ وعندما جاءت المليار من صاحب الجلالة، أعادوا التقدير فوصل إلى مليار ونصف؛ وعندما تبرعت الكويت وقطر بما يقرب من نصف مليار، أعادوا التقدير إلى ملياري دولار، وقيل بعد ذلك إن الحاجة قد تتجاوز هذا الرقم .
أعلن يوسف المنسي وزير الأشغال العامة والإسكان في الحكومة الفلسطينية المقالة التي تديرها حركة (حماس) في قطاع غزة، أن حكومته وضعت خطة طارئة لإعمار قطاع غزة بعد العملية العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة . وقدر الوزير تكاليف إعادة إعمار القطاع بمبلغ يتجاوز ملياري دولار أميركي بما يشمل تكاليف إيواء عاجلة للأسر المتضررة، وإزالة أنقاض المنازل والمقرات المدمرة وإعادة الإعمار .
وأضاف المنسي أن المرحلة الثانية من الخطة هي مرحلة إعادة البناء، وهي تحتاج تقريبا إلى سنة أو أكثر حسب السيولة النقدية ومواد البناء، لإعادة بناء ما خلفه الاحتلال من دمار، وهذه كلفتها حوالي مليارين و65 مليون دولار، مشيرا إلى أن إجمالي المرحلتين سيبلغ حوالي مليارين و215 مليون دولار .
وظلت هذه المليارات والملايين تتناسل وتنمو حتى وصلت في اجتماع شرم الشيخ للمانحين خمسة مليارات دولار ! ويبدو أن هذا المبلغ الذي بدأ بمليار دولار تبرع بها الملك عبد الله قابل للنمو والوصول إلى أرقام جديدة، ما لم يحسم المتنافسون على هذه الوليمة مواقفهم، ويعيدوا لغزة وأهلها ما يقيمون به أودهم من الحاجات اليومية، ويعيدوا بناء منازلهم ومدارسهم ومستشفياتهم وكرامتهم المهددة بالتجاذبات السياسية التي ستتحول إلى تجاذبات مالية لا تبعث على الاعتزاز، و من نافل القول إنها بدأت فعلاً.
وانتقل القول من (حاجة غزة وأهلها المحاصرين إلى هذا اليوم ) ، إلى ( من سيحصد هذه الغنيمة) التي تكفي لإنشاء مدينة عصرية مكتملة الحاجات، وتوفر للناس معاشهم وكرامتهم .
أليس من الغريب أن تبادر نيات صادقة، عربية وعالمية، بترميم ما تصدّع من كيان غزة، في حين ينأى أهلها وأهل بجدتها فيساومون على تبرعات أهل النوايا الطيبة، ويعطلون مشاريع الإصلاح ولم الشمل !
كيف ومتى يلتفت المتصارعون على شأن غزة، إلى ما هم فيه من طفولة سياسية ونزوع إلى تمييع محنتها ومصادرة أوجاعها والاستحواذ على آلامها وأموالها، وعرقلة كل مشاريع الإصلاح الممكنة التي هم بأمس الحاجة إليها وإلى ما يشفي أهل غزة من أوجاعهم .
هل كان في ظن صاحب الجلالة أن منحته السخية ستقود إلى هذه النتائج منحة الملك ذات المليار دولار الذي تصور أن الحل قد حُسم بحسم حاجة غزة التي عبّر المسئولون فيها عن حجمها وحاجتها، واستجيب لهم.
هذه الملابسات فتحت جرحا في تاريخنا العربي المعاصر، على كثرة جراحه، حين كشفت عن كون السباق لم يكن من أجل غزة وأهلها، إلا بمقدار، ولاعتبارات سياسية؛ والواقع هو استثمار مأساتها وموارد ما يصدر عنها لأغراض ملتبسة سيفصح عنها التاريخ القريب . ومن يدري، فقد تصبح المليارات الخمسة التي وعد بها اجتماع شرم الشيخ، ستة أو أكثر، مثلما قفزت من مليار إلى خمسة !
وتظل غزة في الانتظار .
كاتب عراقي