هكذا قلت بعد سماع تصريحات الدبلوماسي اللامع وزير الخارجية السوري وليد المعلم في ختام زياراته للرياض، حين تحدث بإيجابية عن جهود المصالحة العربية، ثم انتهي إلى دور الصحافة والإعلام في إثارة الخلافات العربية ـ العربية.
ومع الحديث عن دور الصحافة في هذا الشأن أيقنت أن جهود تسوية الخلافات أثمرت، وان العقبات بدأت بالفعل تزول!! فقد تعودنا منذ عقود علي تحميل الصحافة مسؤولية الخلافات العربية حين تجئ ساعة المصالحة.
وذات يوم أخبرني كاتبنا الكبير الراحل احمد بهاء الدين عن حوار دار بينه وبين واحد من الحكام العرب حول هذه القضية، ويومها قال بهاء مازحاً: إذا كان الصحافيون هم اصل كل خلاف فلماذا لا نجمعهم في جزيرة معزولة، ونرى هل ستسير العلاقات العربية بلا خلافات ؟
ولم يرد الحاكم العربي الكبير على بهاء، ولو رد لقال بحسم: إلعب غيرها! فأنت تعلم أن الخلافات ستستمر، ولكننا سنفتقد من يتحمل عنا مسؤولية الخلاف!
المهم الآن أننا أمام مرحلة من العمل العربي تستهدف المصالحة، وأن جهوداً كثيرة تبذل، ونجاحات كبيرة تحققت، وخطوات أخرى علينا إتمامها. والمهم أن الحملات الإعلامية التي جاوزت أحياناً الخطوط الحمراء ستتوقف، ولا تندهش إذا وجدت نفس الأسماء والوجوه التي كانت ترتكب كل التجاوزات تعود بثوب جديد ولغة جديدة، فلا أحد يأخذ هؤلاء على محمل الجد في الحالتين!
ما يهمنا ان جهود تصفية الخلافات بين الأطراف الأساسية تحقق تقدماً. والطريق أصبحت سالكة بين الرياض ودمشق، ولقاء العاهل السعودي بالرئيس السوري مسألة وقت. أما الطريق بين القاهرة ودمشق فما زال يحتاج للمزيد من الجهود لإزالة ما به من عقبات. وهذا أمر لا يزعج إذا كانت الإرادة السياسية في القطرين الشقيقين قد انعقدت على ضرورة استعادة التضامن والعمل المشترك، وإذا كان المطلوب تجاوز فكرة «المصالحة» إلى الشراكة الحقيقية القائمة على رؤية مشتركة للتعامل مع التحديات التي تواجهها الأمة في المرحلة القادمة.
إن نقطة الانطلاق أن يدرك الجميع انه في ظل الانقسام العربي خسر الجميع، الذين ذهبوا إلى التفاوض وأبدوا الاعتدال، والذين رفضوا ذلك.الكل خسر لأن التفاوض بلا قوة حقيقية لا يصل لشيء (كما حدث مع أبو مازن) ولأن المقاومة بدون إجماع وطني ومساندة قومية تتحول في أحسن الأحوال إلى (ممانعة ) أي أن يصبح الهدف هو منع توسع العدو في مخططاته العدوانية بدلاً من الهدف الأساسي .
وهو الحرية والاستقلال. والنتيجة أننا قدمنا الكثير وضحينا بالكثير في حروب فرضت علينا، ولكننا لم نتقدم كثيراً على طريق تحقيق أهدافنا الأساسية، بل على العكس، ازداد ميزان القوي خللاً في غير صالحنا، وهاهي المنطقة كلها (وليست فلسطين فقط) يتقرر مصيرها في غياب العرب كقوة أساسية، والوطن «العربي» تتفاوض عليه كل القوى «غير العربية» في المنطقة وفي العالم، بينما العرب مستمرون في غيابهم الذي لا يمكن أن يطول إلا إذا كان القرار هو الانتحار وليس الغياب.
أن بناء قاعدة عمل عربي مشترك من القاهرة ودمشق والرياض اكبر من مسألة المصالحة كما تعودناها، إنها الآن ضرورة إنقاذ، فمثل هذه القاعدة هي القادرة على جمع الإمكانيات العربية الكبيرة وتحويلها إلى رقم واحد صحيح يكون طرفاً فاعلاً في تقرير مصير المنطقة، ويدير الحوار مع كل الأطراف العالمية والإقليمية، ويمثل حائط الدفاع عن المصالح العربية في فلسطين والعراق والسودان والخليج وغيرها.
وكما قلنا في الأسبوع الماضي، فإن المصالحة على الطريقة العربية لا تكفي وحدها، بل التوافق والشراكة ضمن برنامج عمل عربي أو استراتيجية واحدة للأمن القومي بمعناه الشامل، تجعل المصلحة العربية هي الأساس، وتضع كل العلاقات الأخرى في خدمتها.
المطلوب استراتيجية عربية تتبناها بالأساس العواصم العربية الثلاث تقول للإدارة الأميركية أن القضية الفلسطينية تحتاج للحل وليس التهدئة، وأن الحل لن يكون إلا بالتزام أميركي واضح بدولة فلسطينية في حدود 67 وإزالة المستوطنات، وإلا فإنها لن تجد مبادرة عربية ولن تجد ما وجدته من انقسام بين من يفاوض ومن يمانع!
والمطلوب استراتيجية عربية لاستعادة العراق، ولإنقاذ السودان، ولحماية الخليج، ولبناء القوة العربية الرادعة للجميع، وللاستفادة من علاقة كل الأطراف العربية بالقوي الإقليمية والعالمية وجعلها في خدمة المصالح العربية وحدها، وهو أمر ـ إذا صحت النوايا ـ لا يتصادم مع مصالح القوي الصديقة في المنطقة والعالم، بل يتصادم فقط مع من يرون مصالحهم في إلغاء كلمة «العروبة» وتحويل الوطن العربي إلى كيانات صغيرة مفككة أو ساحات للنفوذ الأجنبي.
من أجل هذا نقول أن القضية اكبر من «مصالحة «على الطريقة العربية المعتادة.إنها قضية أمة في خطر، ومسؤولية على الجميع أن يتحملها بشجاعة، وإرادة عربية ينبغي أن تعود من غيبتها أو غيبوبتها، وأن تكون عودتها في إطار استراتيجية واحدة، نعرف في إطارها كيف نتفق؟ وكيف نختلف ؟ وكيف نمضي في تحقيق أهدافنا رغم كل التحديات.
كاتب صحافي مصري
