قد يشكل الاتفاق بين الفصائل الفلسطينية الذي رعته مصر في 25 فبراير الماضي، أرضية مناسبة لاتفاق أشمل يمكن أن نطلق عليه ،اتفاق تاريخي، يعيد للوضع الفلسطيني شيئا من أسباب القوة التي افتقدها منذ العام 2005 وصولاً نحو أسوأ لحظات الضعف في تاريخ النضال الفلسطيني.
لقد أوصلت لحظة الضعف التاريخية تلك الفلسطينيين إلى القاع، ومن هناك يمكن أن يمثل اتفاق القاهرة الأخير نقطة الانطلاق صعودا نحو تحصين الوضع الفلسطيني وإكسابه المزيد من عناصر القوة في مواجهة إسرائيل. ثمة عناصر عديدة مشجعة اجتمعت منذ أن فشل العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة أبرزها إعلان إدارة أوباما على لسان وزير الخارجية هيلاري كلينتون التزام الإدارة بحل الدولتين.
من وجهة نظري، اعتقد انه يتعين على جميع الفصائل الفلسطينية أن تنظر للاتفاق المأمول من «زاوية تاريخية» بالدرجة الأولى وليس من زاوية معالجة تداعيات «الوضع الراهن». على هذا فإن التعامل مع المهمات القادمة من زاوية تاريخية يتطلب أن يكون الاتفاق المأمول اتفاق «حد أدنى تاريخي» لا يمكن النزول عنه. والمدخل الصحيح لاكتساب هذه القدرة متحقق عمليا وليس اقتراحا جديدا أو أعجوبة.
حجر الزاوية هنا هو أن كل الفصائل متفقة على أن الهدف الأساسي هو إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود العام 1967. «فتح» فصائل أخرى منذ وقت طويل و«حماس» منذ عام 2006 على الأقل. إذن ما هو المطلوب للوصول إلى هذا الهدف؟ اعتقد أن هذا يقترح بعض نقاط اتفاق الحد الأدنى التاريخي المطلوب:
(أولاً): حكومة فلسطينية موحدة تضم ممثلين عن جميع الفصائل. لقد أثبتت التجربة أن الحكومة ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها لا لتنظيم الحياة اليومية لملايين السكان الفلسطينيين بل لبناء وترسيخ أنوية الدولة المستقلة. إنها المهمة التاريخية التي عمل الإسرائيليون جاهدين منذ العام 1994 على تعطيلها ومنعها بكل وسيلة.. الحرب، دفع الفلسطينيين نحو الاحتراب، الحصار الاقتصادي والمالي.. وغيرها من الوسائل.
إن هذا يستتبع أمورا أخرى على رأسها احترام التزامات الحكومة داخليا وخارجيا. ومثلما أن احترام هذه الالتزامات مطلوب فإن على أي حكومة فلسطينية أن لا تقبل التزاما بمساعدات أو دعم سياسي مشروط خصوصا إذا كانت بعض الشروط أو كلها مبنية على استبعاد أو عزل فصيل فلسطيني، حماس أو غير حماس.
ومثلما ينطبق الأمر على الالتزامات حيال إسرائيل (بموجب الاتفاقات) وأوروبا والولايات المتحدة مثلا فانه يصدق على الإطراف الإقليمية أيضا. الخلاصة أن على الفلسطينيين أن لا يسمحوا بأن يكون الوضع الفلسطيني الداخلي رهنا بصراع نفوذ أو مصالح الآخرين، أن يكونوا كتلة واحدة أمام العالم الخارجي.
(ثانياً): التفاوض أمر لا مناص منه بل جزء من مسؤولية قيادة أي شعب يناضل من أجل الاستقلال أو طرد المحتل. المسألة لا تتعلق بالمشاعر بل بالواجب والمسؤولية التي تتحملها قيادة أي شعب، والتهرب من المفاوضات مع الأعداء بهذه الحجة أو تلك ليس سوى مؤشر على انعدام الإحساس بالمسؤولية حيال الشعب قبل أن يكون أمام العالم.
(ثالثاً): لا يملك الفلسطينيون جيشا، ولا يمكن مقارنة قوات الشرطة والعناصر المسلحة للأذرع العسكرية للتنظيمات الفلسطينية بالجيش الإسرائيلي. لكن يتعين الاحتفاظ بعناصر القدرة على الرد حيال إسرائيل. لكن هنا يتعين بالضبط أن يتضمن اتفاق الحد الأدنى رؤية موحدة حيال العمل العسكري وهي أن يكون العمل العسكري موجها ضد أهداف عسكرية إسرائيلية وليس المدنيين.
طالما استهدف الفلسطينيون المدنيين الإسرائيليين فهم خاسرون أيا كان المنطق أو المبرر، والخسارة هي خسارة أخلاقية بالدرجة الأولى لأن الفلسطينيين يخسرون هنا ميزة التفوق الأخلاقي لشعب خاضع للاحتلال أمام المحتل. القادة الإسرائيليون يتمنون من أعماقهم أن يستهدف الفلسطينيون المدنيين الإسرائيليين، اعتداءاتهم المستمرة على المدنيين ليست سوى استفزاز للفلسطينيين لكي يردوا بنفس الطريقة والمؤسف إنهم نجحوا في ذلك. استفزاز الفلسطينيين وجرهم لاستهداف المدنيين ليس تكتيكا سياسيا أو إعلاميا مؤقتا بل انه أمر يمس صميم وجوهر الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين: الضحية والجلاد. على الفلسطينيين أن يعوا ذلك جيدا وإلا فإن خسارة التفوق الأخلاقي لن تؤدي إلا إلى خدمة أهداف إسرائيل طواعية.
(رابعاً): تحصين الوضع الفلسطيني والناس أمام كل وسائل الحرب النفسية الإسرائيلية ومحاولاتهم لاختراق الوضع الفلسطيني. يجب قفل الباب وسد الآذان تماما عما يبثه الإسرائيليون من وقت لآخر من سيل طويل من أساليب الحرب النفسية ومحاولات زرع الشقاق بين الفلسطينيين. أن الدعاية الإسرائيلية تستهدف بالدرجة الأولى إبقاء الفلسطينيين دوما أسرى الشعور بأنهم شعب مهزوم. من النكات إلى الصور إلى الإشاعات إلى مواقع الانترنت إلى القصص المزروعة في صحف عربية أحيانا إلى تسريبات مقصودة إلى التصريحات العلنية للسياسيين، على الفلسطينيين الانتباه جيدا لآلة الدعاية الإسرائيلية الجبارة التي ظهرت للعلن بعض ملامحها أثناء العدوان الأخير على غزة. لقد كان عدوانا منسقا عسكريا وإعلاميا وسياسيا. على الفلسطينيين استخراج كتاب ضابط الموساد السابق فيكتور اوستروفسكي لكي يعوا أن الأمر ليس عارضا وليس مزاحا، بل سلاح أكثر فتكا من الترسانة العسكرية.
بالإمكان إضافة نقاط وتفاصيل أخرى لمهمات يراها كثيرون ضرورية مثل «الدمقرطة» و«ترسيخ الطابع المؤسسي» خصوصا في المؤسسات السياسية والدستورية والقضاء والشرطة. لا تنسوا محاربة الفساد بشدة لأنه يمثل اكبر عائق أمام كل تلك الأهداف وهو بالتالي يمثل اكبر عائق أمام بناء دولة مستقلة تحظى بثقة أبنائها. ليس من المعقول أن يمثل رؤساء حكومات ووزراء إسرائيليون أمام المحاكم في مخالفات مالية لا تزيد عن بضعة آلاف من الدولارات فيما خصومهم/ضحاياهم من الفلسطينيين يتحدثون عن حصانة الفاسدين وكأنها أمر اعتيادي.
كاتب وصحافي بحريني
