رئيس الاتحاد الأوروبي اليوم اسمه «فاكلاف كلاوس». إنه رئيس الجمهورية التشيكية منذ عام 2003، وبدون شك الرئيس الوحيد بين قادة دول الاتحاد الـ 27 الذي يعلن نهارا وجهارا معارضته الصريحة للطريقة التي تتطوّر على أساسها المؤسسات السياسية الأوروبية.
وكان على طول الخط معارضا لمشروع الدستور الأوروبي بصيغته الأولى التي أشرف على إعدادها رئيس الجمهورية الفرنسي الأسبق فاليري جسكار ديستان وللاتفاقية الأوروبية «المبسّطة» المعروفة باتفاقية برشلونة التي كان الرئيس الفرنسي الحالي نيكولا ساركوزي هو عرّابها.
تقوم رئاسة الاتحاد الأوروبي اليوم على أساس التناوب بين البلدان الأعضاء كل ستة أشهر وحسب التسلسل «الأبجدي» لاسم كل دولة في اللغة الرسمية المعتمدة فيها.
وهكذا تولّت الجمهورية التشيكية رئاسة الاتحاد اعتبارا من مطلع العام الحالي 2009 وسوف تليها على الرئاسة السويد في مطلع شهر يوليو القادم وحتى نهاية السنة. مهمة الرئاسة «الأوروبية» تتمثل خاصة في تنظيم وترؤس اللقاءات على مختلف مستويات الاتحاد ومحاولة الوصول إلى حلول للمشاكل المستجدّة المحتملة.
وتحدد كل دولة مكلّفة بالرئاسة أولوياتها التي سوف تكون بمثابة البوصلة في توجهاتها «الرئاسية». هكذا حددت الجمهورية التشيكية تلك الأولويات في ثلاثة ميادين تخص الاقتصاد والطاقة ومكانة أوروبا في العالم.
ورفعت شعار «أوروبا بدون حواجز» للتعبير عن حريّة انتقال السلع والخدمات والأشخاص ورؤوس الأموال على صعيد السوق الداخلي الأوروبي، وكذلك للتعبير عن انفتاح أوروبا على العالم. بل وأعدّت الجمهورية التشيكية ملفات في غاية الأهميّة بالنسبة لمستقبل الاندماج الأوروبي في ميادين الاقتصاد والطاقة.
لكن هذا لا يمنع واقع أن الشركاء الأوروبيين ينظرون بكثير من التشكك حيال مواقف القادة التشيكيين حيال أي اندماج أوروبي حقيقي.
كان الرئيس التشيكي كلاوس قد أبدى تشككه أيضا عندما صرّح قبل فترة وجيزة أثناء حفلة عشاء على شرف سفراء بلدان الاتحاد الأوروبي أنه ينظر لرئاسة الاتحاد كحدث دون أية دلالة، موضّحا ذلك بالقول إن السلطة داخل الاتحاد الأوروبي لا تزال بيد البلدان الكبرى المؤسسة.
ولم يسمح برفع العلم الأوروبي إلى جانب العلم الوطني فوق القصر الرئاسي في العاصمة التشيكية براغ. بكل الحالات تنبغي الإشارة إلى أن احتمال ترجمة أفكار الرئيس التشيكي، رغم ما تلقاه من تأييد لدى مواطنيه الذين تحمّسوا في البداية للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ثمّ فتر حماسهم حيال سلطة «أوروبية» اعتبروها أجنبية، إلى أفعال سياسية أثناء رئاسة بلاده للاتحاد هو احتمال ضعيف جدا. إن سلطة الرئيس على الشؤون الأوروبية متواضعة جدا فرئيس الوزراء هو الذي يمارس السلطة التنفيذية.
وعلى صعيد الواقع العملي تبدو أوروبا اليوم، رغم كل ما يُحكى ويقال عن «رصّ الصف» الأوروبي أمام الأزمة، وكأنها في حالة من الوهن والنغمات المتباينة حيال المستقبل.
الفرق واضح أولا بين الرئاسة الفرنسية التي كانت موجودة على جميع «الجبهات» وبين الرئاسة التشيكية التي لا يُسمع لها صوت تقريبا طيلة الشهرين الأولين من رئاستها. هذا إذا لم يكن ذلك الصوت «النشاذ» ـ قبل أن تتراجع عنه ـ الذي اعتبرت فيه أن العدوان الإسرائيلي على غزّة «عمل دفاعي».
وبالتزامن مع النداءات المستمرة من أجل التنسيق الأوروبي، تُبدي مختلف الحكومات قلقها حيال متانة التلاحم الأوروبي. هكذا تتخذ كل منها إجراءات على حدة باسم المصلحة الوطنية دون النظر إلى الإطار الأوروبي الشامل. ألمانيا وبريطانيا وفرنسا، أي «الأوزان» الأوروبية الثقيلة الثلاثة تبنّت خططا خاصة بها لدعم البنوك أو صناعة السيارات أو غيرها من الصناعات. هذا يعني ببساطة غياب أي تنسيق اقتصادي حقيقي.
وفي مثل هذا السياق شهدت مدينة بروكسل، مقر المفوضية الأوروبية، في الأول من شهر مارس ـ الجاري لقاء قادة بلدان الاتحاد الأوروبي الـ 27. كان الهدف هو التأكيد على أن أوروبا تريد الحديث بصوت «إستراتيجي» واحد.
لكن الملف الحقيقي كان بحث الأوضاع الاقتصادية والمالية الهشّة السائدة في بلدان أوروبا الوسطى والشرقية «الشيوعية سابقا». بعض هذه البلدان طلبت مساعدات عاجلة قبل حدوث انهيارات غير محسوبة النتائج.
وكانت الإجابة الأوروبية الواضحة هي «نعم»، لكن على أساس دراسة كل حالة على حدة والمطالبة بمعرفة سبل التصرّف بالمليارات التي سوف يتم تقديمها. لقد وعدت قمّة بروكسل بلدان أوروبا الشرقية بـ «تضامن» بقية دول الاتحاد الأوروبي معها ولكنها رفضت بالمقابل أية خطة إنقاذ جماعية و«دون ترك أحد على قارعة الطريق».
وكانت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، الشريك الأوروبي الاقتصادي الأكبر لبلدان أوروبا الوسطى والشرقية، في غاية الوضوح برفضها وضع البلدان المعنية كلها في سلّة واحدة وأنها تمثّل مشكلة على حدّة تتطلّب الدفع الفوري لمليارات اليورو. وكانت صريحة عندما اعتبرت أن هنغاريا ـ المجر ـ هي «المريض » الحقيقي الوحيد في اللحظة الراهنة.
وأبدى التشيكيون أيضا، والبولنديون بدرجة أقل، عدم موافقتهم على اعتبار بلدان أوروبا الوسطى والشرقية «كتلة متجانسة واحدة». ذلك أن لكل بلد وضعه الخاص. ذلك على أساس أن الجمع بين «القوي » و«الضعيف» يهزّ الثقة بالاثنين. وبالنتيجة تمّ التأكيد على ضرورة المحافظة على الاستقرار المالي«عبر الاتحاد الأوروبي بمجمله».
وأكّد رئيس الوزراء التشيكي قوله:»إن فكرة تقسيم أوروبا بين بلدان أعضاء قدماء وبلدان أعضاء جدد، وبين شرق وغرب تمثّل فكرة نرفضها بكل وضوح». بكل الحالات يبقى الاستحقاق الأكبر القريب أمام ألأوروبيين هو لقاء قمة البلدان الـ 20 الأكثر تصنيعا التي سوف تعقد في لندن مطلع شهر ابريل القادم لمناقشة سبل مواجهة الأزمة المالية العالمية. وسيكون على أوروبا تبنّي إستراتيجية فيها الحد الأدنى من تنسيق المواقف، الأمر الذي لا يزال غائبا إلى درجة ملموسة في الواقع حتى الآن.
الصوت الأوروبي له أهمية كبيرة في قمّة لندن القادمة المطلوب منها، على غرار قمّة 1933، التوصّل إلى حلول حقيقية وما عدا ذلك قد يعني«الكارثة» على أوروبا وعلى غيرها. ولا يبدو كيف يمكن للرئاسة البولندية الحالية للاتحاد الأوروبي أن تدفع نحو«تفعيل» هذا الصوت.
كاتب سوري ـ باريس
