قصدت عُمان للذهاب إلى الجبل الأخضر والتجول في أنحائه واكتشاف معالمه، وهي أمنية قديمة حال دون تحقيقها ظروف عدة. والحق أن جميع أرجاء سلطنة عمان بحاجة إلى زيارة، بل زيارات، فإمكانيات عمان السياحية لا تقتصر على منطقة الجبل الأخضر على رغم روعتها وسحرها، بل تتعداها إلى مناطق كثيرة أصبحت مقصداً للسائحين، بالذات من البلاد الأوروبية وعلى رأس هؤلاء السياح الألمان، كما علمنا.
فشواطئها الممتدة من منطقة هرمز في مدخل الخليج العربي إلى تلك التي تحاذي حدودها مع اليمن في أقصى الغرب من منطقة ظفار، إن هذه الشواطئ الممتدة تمثل مناطق جذب سياحية مازال الكثير منها بكراً وتنتظر الاستثمار وتحويلها إلى منتجعات خلابة تتوفر فيها المرافق الضرورية للسائح.
أما عمان الداخل، فإنها لا تقل روعة عن منطقة الساحل الطويلة، ففيها مجموعة من المدن التاريخية بقلاعها الشامخة التي تنطق بتاريخ مجيد وبحاضر واعد، كمدينة نزوى والرستاق وغيرهما!! هذا إلى جانب جبال شاهقة وأودية وعيون ماء ونظام للري محكم (الأفلاج ) وتجمعات سكنية في رؤوس الجبال يعجز المرء تصور كيف استوطنها سكانها أول ما استوطنوها!!
أما منطقة ظفار فهي منطقة الاستجمام بالنسبة للعمانيين أيام الصيف هرباً من قائظ المناطق العمانية الأخرى، حيث يعتدل الطقس في ظفار ويتساقط المطر في أشهر الصيف محولاً أراضيها وجبالها إلى بساط من الخضرة. إلى جانب ذلك توجد مجموعة من الجزر المهمة لعل أشهرها جزيرة مصيرة، التي تتمتع بكثرة مصائد أسماكها فضلاً عن اعتدال مناخها.
إن ما يلحظه المرء في عمان أكثر ما يلحظ ؟ ولعل ذلك سيشجع السياحة أكثر ؟ هو شيوع الأمن والنظام والنظافة التامة في ربوعها، فلا أحد يعكر صفو مرتادي شواطئها المترامية الأطراف، أو أولئك الذين ينصبون خياماً لهم في مناطقها الجبلية «المنقطعة»، مع اهتمام فائق بنظافة تلك المناطق ووجود خدمات لا يتخيلها أي «عربي» جال في أكثر البلاد العربية الأخرى!!
لكن، يبقى للجبل الأخضر سحره عندي، فهو قد ظل في خيالي منذ أن كان أهل عمان يقصون علينا حكايات عن بلدهم في أوائل ستينات القرن الماضي، كانت تلهب خيالنا ونحن صغاراً وهو ما جعلني في توق دائم لزيارة هذه المنطقة تحديداً.
وقد سنحت الفرصة في الأسبوع الماضي، فخرجنا من مسقط بصحبة أحد الشباب العمانيين الذي كان يقود سيارة دفع رباعي، وهو النوع الوحيد المسموح به للصعود إلى الجبل لحدة ارتفاعاته وانحداراته. وفي الطريق، اقترح علينا الشاب العماني - وهو شاب دمث الأخلاق كبقية الشباب العماني الذين التقيناهم ؟ أن نزور «كهف الهوته» ثم نعرج على «جبل شمس» وفي عودتنا نلقي نظرة على الجبل الأخضر، فوافقنا ولم نندم على ذلك!!
«فكهف الهوته» آية من آيات الطبيعة، إذ يمتد داخل الجبل مسافة خمسة كيلومترات، تتخلله ثلاثة بحيرات بها أسماك شفافة عمياء لعتمة الكهف وعدم حاجتها إلى نعمة البصر!!
والمنطقة التي يمكن زيارتها في هذا الكهف العجيب هي 830 متراً فقط، وقد تم تنظيمها وترتيبها بشكل «يفوق الروعة»، حيث ثمة ممشى مع درجات مريحة بسياج من الألمنيوم واضاءات خافتة، تضفي على المكان سحراً ورونقاً عجيبين.
إلى جانب وجود مرشدين سياحيين ذوي كفاءة عالية ومحيطين بأحوال الكهف من كل ناحية. وفوق هذا وذاك، ثمة متحف يبين طبقات أراضي عمان وصخورها عبر مختلف الحقب التاريخية، برسوم وشروح وعينات وأدوات للتوضيح تتسم بحسن العرض والتنسيق.
ومن الكهف عرجنا على «جبل شمس» حيث اكتشفنا أنه أعلى جبال عمان إذ يبلغ ارتفاعه حوالي ثلاثة آلاف ومئتا متر. والصعود إليه يسير إلا جزءا صغيرا لا يعدو الخمسة كيلومترات مازال العمل جار على رصفه بالإسفلت. والحق، أن الجبل يقف - كما قلت لمرافقي الدكتور خلدون النقيب، أستاذ علم الاجتماع المعروف ورفيقي في تلك الرحلة ؟
أن الجبل يقف كالطود الأشم، وهو تعبير لم استخدمه منذ مدة طويلة!! استنشقنا هواء نقياً واستمتعنا بطقس رائع، وقد علمنا أن هذا الجبل وشقيقه الأخضر، الهواء بهما عليل طوال العام مع انخفاض درجات الحرارة في الشتاء إلى ما دون الصفر. لم نمكث في «جبل شمس» إلا نحو ساعة، وقفلنا راجعين إلى بغيتنا «الجبل الأخضر».
وعند سفح الجبل ( تسمى بركة الموز ) توقفنا عند نقطة للشرطة ليتأكدوا من معرفة قائد السيارة من ارتياد الجبال، والحق إن صعود الجبل الأخضر لا يحتاج فقط إلى سيارة دفع رباعي، بل إلى خبرة وفن في القيادة أيضاً.
وفي الطريق إلى قمته متعنا ناظرينا بمناظر خلابة إلى أن وصلنا إلى أعلى «وادي بني حبيب» حيث البيوت التقليدية المعلقة بالجبل مازالت قائمة، وحيث المدرجات التي سواها الإنسان العماني منذ فجر التاريخ لتكون مساحات للزراعة، حيث تشتهر المنطقة بزراعتها للفواكه وأشهرها الرمان واللوز والكمثرى والتفاح فضلاً عن الورد الذي يقطر ليصنع منه «ماء الورد» المشهور.
أظن أنه من الحكمة التوقف عند هذا الحد، رغم أن في جعبتي الكثير، فخير الكلام ما قل ودل.
كاتب كويتي
