خلافاً للمألوف، تبدو عملية تنقية الأجواء العربية تسير بصورة طردية مع تزايد هجوم التحديات والاستحقاقات، في المنطقة. في العادة، كان يحصل العكس. درجة التوتر والتباعد، كانت ترتفع مع ارتفاع وتيرة مثل هذا الهجوم.

واقع الحال أن المشهد الإقليمي مزدحم بالبنود الملتهبة. الخطاب هادر، أكثر من أي وقت مضى. التطورات التي استجدّت، زادت من الضغوطات والحساسيات وبالتالي من فتح الأوضاع على شتى الاحتمالات.

والقادم القريب مرشح، على الصعيد الإسرائيلي، لصبّ المزيد من الزيت على النار. مع ذلك، بدت حركة التقارب ورأب الصدع العربية؛ جارية في مسارها الصحيح والواعد. ربما الاستشعار بأن الأمور بدأت تلامس الكثير من الخطوط الحمر، كان وراء تزخيم التحرك في هذا الاتجاه. لا بأس ولو جاء ذلك متأخراً. اللملمة هي الرد السليم، بل الخيار الوحيد؛ أمام الوضع العربي؛ في هذه المرحلة الحرجة. وربما المصيرية.

أهم ما في هذه العودة، أنها تأتي عشية القمة العربية في الدوحة. إذا ما تواصلت فإنها تكفل تهيئة الأجواء وإنضاج الظروف؛ لتحويل ما لا يزال في إطار العناوين؛ إلى قرارات ومواقف. الوفاق الوطني الفلسطيني على المحك. أمام حوار اللجان الخمس، مهلة قصيرة، حتى آخر الجاري، لإنجاز فضّ الخلافات وثم الخروج بحكومة وحدة وطنية.

الوضع، لغاية الآن، يبدو أنه سائر على الطريق المرسوم. مع ذلك ما زال سريع العطب. في الأيام الأخيرة حصل تراشق غير مسبوق، حوله. تسارع وتنامي مناخات التقارب العربي، من شأنه تعطيل احتمالات أي خروج لعملية الحوار الفلسطيني، عن سكته.

وكذلك هي الحال بالنسبة للوضع اللبناني. بقدر ما هي ساحته منضبطة حتى الآن، في حدود المقبول؛ بقدر ما هي مفتوحة على اهتزازات، بدأت تظهر ملامحها على السطح؛ في الآونة الأخيرة. أيضاً من شأن تنقية الأجواء العربية والنجاح في تفكيك الخلافات؛ أن يساهم وإلى حدّ بعيد، في تبريد الوضع اللبناني.

وهو يحتاج إلى المزيد من التهدئة، مع اقترابه من استحقاقه الانتخابي الساخن. يضاف إلى كل ذلك ويتزامن معه، أن التركيبة الإسرائيلية التي تتشكل الآن؛ تختزن الكثير من عوامل الاستفزاز والتفجير. صحيح أنها مألوفة، إلا أن تزامن مجيئها ما وصلته ظروف المنطقة من توتر وسرعة اشتعال؛ يجعل منها تطوراً يشحن الأوضاع بالمزيد من عناصر الخطر. مواجهة هذا التصعيد الإسرائيلي، بواقع عربي وفلسطيني، معافى؛ شرط لا بدّ منه لدرء مخاطره.

التشرذم في الساحتين العربية والفلسطينية، بلغ مدى؛ بدأ معه يلامس العصب. العمل الجاري لطي صفحته؛ ليس فقط حاجة. بل هو ضرورة واجبة الوجوب.