لقد كان خطاب باراك أوباما في معسكر لوجون بكارولينا الشمالية يوم الجمعة الماضي، مثيرا جدا، وبدا كمّن أثلج صدور كل من الأميركيين والعراقيين معا! ولكن علينا أن نتساءل: هل هو متغّير أميركي أم استراتيجية جديدة في العراق؟ إنه بالتأكيد، علامة بارزة لمرحلة قادمة في العراق وكل الشرق الأوسط..
خصوصا وان أسباب وعوامل الصراع لم تظهر حتى الآن أميركيا، ولا يعلم أحد ما الذي بدأته الولايات المتحدة وما الذي أرادته.. فإذا كانت اليوم تتخّلى عن الحرب، فهل تخّلت عن استراتيجياتها كلها؟ والسؤال الآخر: هل يعّبر أوباما نفسه عن متّغيرات باستطاعته صناعتها، أم أنها استراتيجية أميركية جديدة وجدها أوباما أمامه، وبدأ يعّبر عنها وكأنه صاحبها؟ إن الرجل قد عرف من خطاباته ومواقفه السابقة انه رافض للحرب التي سماها بالغبية!
ولكن هل الحرب إزاء العراق كانت مجردة من أية استراتيجية، كما يفهمها البعض؟ وهل أحرقت الولايات الأميركية كل ملياراتها سدى، والاهم كل أوراقها في العراق؟ علينا أن ندرك إن سحب القوات الأميركية وإنهاء حالة الحرب شيء، والبدء باستراتيجية جديدة في العراق شيء آخر، ذلك أن الاتفاقية التي وقعت بين الطرفين كانت منجزا للرئيس الأميركي السابق..
وجاء أوباما ليقطف ثمار الأول الذي انتهى نهاية مخجلة ومريرة اثر تجربة غير موفقة أبدا، بسبب ما ارتكبه وأعوانه من أخطاء لا تغتفر في العراق.. ويرى بعض المراقبين أن حرب العراق هي التي أتت نتائجها بزعيم مثل أوباما إلى السلطة لأول مرة في التاريخ!
لقد أصبح لأوباما القدرة في أن يكشف النقاب عن خطة «إنهاء الحرب في العراق» من دون تناقض، ولا إلى أية صياغات ملتوية، ولا إلى التشدق بالانتصار.. فما يهمه، هو الانتصار الذي حققه هو على خيبات الأمل التي مني بها الرئيس السابق.. أنني لم أجد أية صدمات في خطابه الأخير، بل هناك تاريخ محدد لانسحاب القوات القتالية بعد 16 شهرا، وهو جدول زمني كانت قد حددته الاستراتيجية الجديدة التي وعد بها عام 2008، وان جميع القوات الأميركية سوف ترحل نهاية عام ,2011.
ولكن السؤال: هل ستنهي الولايات المتحدة نفوذها بالعراق؟ هل باستطاعة العراق، تحديد مستقبله نفسه بنفسه؟ هل له القدرة على مواجهة دول الإقليم مجتمعة أم منقسمة؟ هل قدمت الولايات المتحدة ما عليها من استحقاقات للعراق الذي دّمرته آلتها الحربية على مدى سنوات طوال؟
قد يكون للخطاب الأميركي تأثير قوة هائلة بالانسحاب، ولكن هل بإمكانها أن تفصح عن استراتيجيتها الجديدة للمرحلة القادمة؟ خصوصا وان العراق يمّثل قلب الشرق الأوسط، ونحن نعرف عملية المد والجزر بين الولايات المتحدة وإيران مثلا..
فهل ستبدأ صفحة خفية من الصراع ضمن استراتيجية جديدة باسم متغّير العراق؟ هذا ما لا تريد الولايات المتحدة أن تفصح عنه! إن العديد من قوى العراق السياسية ستجد نفسها في مواجهة حقيقية مع الشعب. وعليه، فإنها سترحل مع الأميركان.
إن أوباما يريد إنهاء الحرب ليزيد من شعبيته استعدادا للدخول في الحملة الانتخابية لعام 2012، وانه الرجل الذي وعد فعل.. وانه يأمر بغلق غوانتانامو وأن الولايات المتحدة لا تمارس التعذيب! انه بالفعل زعيم ذكي وظف التحولات الاستراتيجية لصالح متغيراته هو نفسه.. إنني أقول بأن الرجل لا يقامر، بل انه يعّبر عن واقع جديد صنعته المرحلة الجديدة.
إن المهم بالنسبة لكل العراقيين، ليس أوباما بالذات، بل هو إدراك ما يمكن عمله في المستقبل؟ وكيفية التعامل مع الاستراتيجية الجديدة؟ مع تداعيات سحب القوات الأميركية من العراق هل سيقبل العراق على مرحلة أفضل بكثير من تلك التي عاشها ضمن استراتيجية الحرب؟ أم أن صفحة تاريخية جديدة ستبدأ؟ ما طبيعة علاقته بالولايات المتحدة الأميركية من ناحية، وهل ثمة فراغ سيحدث بعد انسحاب القوات الأميركية من العراق بحلول أغسطس 2010؟
هل أن من سيتبقى من القوات الأميركية في العراق ستتحدد مهامه بالتدريب ومكافحة الإرهاب وادوار غير قتالية مثلا كما صرح أوباما؟ أم أن أبعادا جديدة ستبدأ منذ الآن في العام 2009، وقبل إنهاء حالة الحرب؟ ووفقا للتقارير، أوباما سيزيل 90000 من القوات المقاتلة الحالية المقدر عددها بـ 140000 جندي في طول البلاد العراقية وعرضها،أي الإبقاء على 50000 مقاتل.
إن ما يعنينا نحن من العراق لا يعني غيرنا، إذ ينبغي أن يبدأ العراق تاريخا وطنيا جديدا، ومن خلال مشروع وطني بعيدا عن أي استراتيجية أميركية لم تساهم سابقتها إلا بهتك العراق وإشعال الصراعات فيه.. وإبقائه بلدا عاجزا يعيش ما قبل عصر النهضة.. يهمنا، التئام الشعب العراقي على نفسه بعيدا عن أية أجندة إقليمية.. ويعنينا حفاظ العراق على ثرواته، والبدء بمشروعات إصلاحية كبرى..
يهمنا جداً، نسيان الماضي وجروحه وبداية عهد جديد، يتوفر فيه الأمن والنظام والخدمات والعمل والرخاء لشعب عاش الحروب القاسية وأوضارها منذ ثلاثين سنة 1979 ؟ ,2009. يهمنا أن يدرك بعض العراقيين أنفسهم بأن أميركا ليست الأب الرحيم لهم، وان كل متغيراتها واستراتيجياتها تتحرك من أجل مصالحها هي نفسها، لا من أجل مصالح الآخرين. وان على العراقيين أن يتعاملوا مع المستقبل على هذا الأساس.
مؤرخ عراقي
