لتمويل إعمار قطاع غزة طلبت السلطة الفلسطينية مبلغاً يقارب ثلاثة مليارات دولار ـ لكنها ـ ويا للمفاجأة السخية حصلت من «الدول المانحة» على خمسة مليارات. غير أن هذا التبرع السخي سيبقى حبراً على ورق.
المؤتمر الدولي لإعادة إعمار غزة الذي أعلن هذه الخطوة «السخية» ليس سوى الحلقة الافتتاحية لمسلسل دعائي طويل لن تكون له حلقة أخيرة إيجابية، هناك خطة جاهزة مبرمجة لإعادة بناء آلاف المنازل والمرافق في أنحاء قطاع غزة..
ولكن كيف تصل مواد البناء ولوازمه وفي مقدمتها الحديد والإسمنت إلى داخل القطاع بينما تبقى المعابر التي تربط القطاع بالعالم الخارجي مغلقة أو شبه مغلقة؟ هذه ذريعة جاهزة لدى الدول المانحة الغربية لتقول: كيف ندفع أموالاً لمشتريات لوازم البناء ونحن نعلم أنها لن تجد طريقها إلى مواقع البناء؟ لكن مع ذلك لن تضغط حكومات هذه الدول على إسرائيل لحملها على فتح المعابر.
الحكومة الإسرائيلية الحالية ترفض الموافقة على فتح المعابر ما لم تطلق حركة «حماس» سراح الجندي الإسرائلي شاليت.
لكن حتى لو أطلقت حماس سراح شاليت فإن حكومة أولمرت ستشترط في المقابل إعادة العمل باتفاقية عام 2005 فيما يتعلق بطريقة إدارة معبر رفح. وبموجب هذه الاتفاقية يقتصر الإشراف الإداري على المعبر على ممثلين للاتحاد الأوروبي وإسرائيل والسلطة الفلسطينية.
هنا تطرأ مشكلة.. كيف يتسنى لأجهزة السلطة الفلسطينية إعادة وجودها السلطوي في القطاع دون أن يتوصل كل من فصيل «فتح» (الذي يمثل السلطة) وفصيل «حماس» إلى اتفاق على تشكيل حكومة وفاق وطني؟ هذا بدوره يقود إلى معضلة أخرى: كيف يمكن أن يتوصل الفصيلان إلى اتفاق تشكيل الحكومة الوطنية بينما يشترط قادة فتح أن تعترف حماس أولاً بإسرائيل. وحتى لو تنازل فصيل فتح عن هذا الاشتراط فإن الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي تعلن صراحة أنها لن تتعامل مع حكومة فلسطينية تضم ممثلين عن حماس ما لم تعترف الحركة بإسرائيل وباتفاق أوسلو.
التعهد الغربي بدفع مليارات من الدولارات لإعادة تعمير غزة مرتهن تماماً إلى هذه المستحيلات. وهو موقف يمكن تفسيره على أحد احتمالين: إما أن دول الغرب جادة في تعهدها التمويل لكنها تريد استغلاله لأغراض الابتزاز السياسي حتى ترغم حماس على الاعتراف بإسرائيل. ـ وإما أنها أصلاً غير جادة في التمويل.. بمعنى إبقاء قطاع غزة وأهله في حالة دمار أبدي بأمل أن تندلع ثورة داخلية في القطاع تطيح بحكومة حماس.