كان الخطاب الذي ألقاه أوباما للإعلان عن خطته للانسحاب من العراق خطابا كاشفا في تحديده لمدى التحول الذي طرأ على السياسة الأميركية وسقف ذلك التحول. فرغم أن أغلب المحللين ركزوا على تفاصيل خطة الانسحاب ومراحلها المختلفة إلا أن ما جاء في الخطاب بشأن أهداف أميركا في العراق في الماضي والحاضر والدروس المستفادة مما جرى هناك إنما يحمل دلالات مهمة.
ذلك لأن أوباما عارض الغزو منذ البداية وفاز في الانتخابات بناء على تعهد بالانسحاب من العراق. ومن هنا فإن ما قاله أوباما بل وما لم يقله أيضا يعبر عن مساحات الاختلاف والاتفاق داخل أميركا ليس فقط بشأن العراق ولكن أيضا فيما يتعلق باستخدام القوة العسكرية عموما وطبيعة الإمبراطورية الأميركية نفسها في الفترة المقبلة.
ولعل أول ما يلفت الانتباه في خطاب أوباما هو ما قاله عن أهداف غزو العراق واحتلاله. فهو قال إن بلاده أرسلت قواتها للعراق «من أجل التخلص من نظام صدام حسين.. وأبقينا عليها هناك للمساهمة في إقامة حكومة ذات سيادة». فلا الموضوع له علاقة بأحداث سبتمبر ولا بأسلحة الدمار الشامل ولا بتحرير العراقيين وإقامة ديمقراطية.
بعبارة أخرى، قدمت أميركا الرسمية لأول مرة خطابا صادقا مع النفس لم يستخدم أيا من المزاعم التي ظلت إدارة بوش تروج لها حتى اللحظة الأخيرة.
لكن ذلك الصدق توقف عند حد الاعتراف بأن الهدف المباشر كان إسقاط نظام صدام حسين ولم يتطرق إلى الهدف النهائي والذي تمثل في إعادة رسم خريطة المنطقة برمتها عبر استهداف العراق كخطوة أولى. وهو الهدف الذي فشلت إدارة بوش في تحقيقه فشلا مدويا. ولعل سكوت أوباما عن ذكر ذلك الهدف يرتبط باعتبارات الملاءمة والكياسة السياسية. فلا يجوز لنا أن نتوقع من الرئيس الأميركي الذي كان يتحدث أمام جنوده أن يقول لهم إن أرواح زملائهم قد تم التضحية بها من أجل هدف أيديولوجي أحمق.
ومن اللافت أيضا أن التعريف الذي قدمه أوباما لأهداف أميركا اليوم في العراق كان محدودا للغاية بالمقارنة بما سبق. فأهداف الولايات المتحدة في عهد أوباما لا تتعدى عراقا «مستقرا ذا سيادة، قادرا على الاعتماد على نفسه، ولا يؤيد الإرهاب ولا يسمح له باستخدام أراضيه».
والطريف أن أوباما سكت تماما عن أي حديث عن ديمقراطية في العراق. فهو لم يصف ما هو حادث الآن- كما كانت تفعل إدارة بوش- بأنه «ديمقراطية وليدة» ولم يقل إن إقامة ديمقراطية من بين أهداف بلاده في العراق. صحيح أن الطابع الرسالي لم يختف تماما من خطاب أوباما إلا أنه لم يذكر أبدا أن بلاده تسعى لتصدير الديمقراطية لا بالقوة الغاشمة ولا بغيرها.
بل أكثر من ذلك خفضت أميركا توقعاتها بشكل كبير. فهي في عهد أوباما لا تطمع في أن تخلق عراقا مواليا لها بالكامل ولا هي حتى تسعى لعراق يخلو من العنف أو لا تواجه وحدته تحديات كبرى. فقد تحدث أوباما صراحة عن أن بلاده لا يمكنها أن «تخلى العراق من كل الذين يعارضون أميركا أو يتعاطفون مع خصومها» أو أن تحمى شوارعها حتى تصبح «آمنة تماما»، ولا هي قادرة على أن تحقق وحدة عراقية مثالية.
ورغم أن ما جاء على لسان أوباما يعتبر في بعض منه تخليا من دولة الاحتلال عن مسؤولياتها إزاء البلد المحتل إلا أنه يمثل اعترافا ضمنيا بأن غطرسة القوة التي هيأت لسلفه أنه قادر على تجاهل الواقع المعقد بحجة القدرة على تغييره لم تجلب لأميركا إلا الفشل.
لكن تلك الواقعية التي عبر عنها أوباما لم تنعكس بالقدر الكافي على ما جاء في خطابه بشأن الدروس المستفادة، الأمر الذي يكشف عن سقف التحول في السياسة الخارجية وآفاقه. فبعد أن ذكر في بداية خطابه أنه لم يعد من الممكن لبلاده أن تتعامل «مع التحديات الإقليمية بمعزل عن بعضها البعض»، أكد أوباما على أن أميركا تعلمت أنه لا يمكنها «دخول حرب دون تحديد واضح لأهدافها، ولهذا طلبت مراجعة سياستنا في أفغانستان.
وتعلمنا أن علينا أن ندرس تكلفة تلك الحرب جيدا ومصارحة الشعب الأميركي بها ولذلك وضعت تكاليف حرب العراق وأفغانستان ضمن الميزانية». لكن الواضح أن هناك درسا آخر لم تنتبه إليه أميركا الرسمية بعد، سواء كانت أميركا الجمهوريين أو الديمقراطيين. فقيام أميركا بتحديد أهداف حرب تريد أن تخوضها لا يكفي وحده لشن تلك الحرب.
فمن الواضح أنه لم تحدث حتى الآن أية مراجعة جوهرية للأفكار الإمبراطورية التي تعطى للدولة العظمى الحق في أن تختار حروبها بشكل أحادى ووفق تعريف ضيق لمصالحها بغض النظر عن مصالح القوى الأخرى بل وبمعزل عن موقف القانون الدولي.
وغياب تلك المراجعة هو في الواقع المفتاح الوحيد لفهم السياسة الأميركية في أفغانستان. ولعل العبارة الأكثر دلالة على ما ينتج عن غياب تلك المراجعة هي تلك التي دعا فيها أوباما إلى دراسة تكلفة الحرب جيدا وقال «ولهذا وضعت تكاليف حربي العراق وأفغانستان ضمن الميزانية».
ففي عهد أوباما مثلما في عهد بوش استمر القصف الأميركي في أفغانستان وباكستان. لكن الواضح أن التكلفة التي تم تزويرها في عهد بوش والإعلان عنها بشفافية في عهد أوباما لا تدخل في حساباتها أبدا التكلفة البشرية في باكستان وأفغانستان ولا الدمار المادي الذي يلحق بهما.
والقضية ليست مجرد بعدا إنسانيا وإنما هو قضية استراتيجية بالأساس لأن المعاناة الإنسانية هي التي تدفع نحو دوامات لا نهائية من العنف والعنف المضاد.
كاتبة مصرية
