انتهجت الصين خلال السنوات الأخيرة سياسة اقتصادية نشطة، تقوم في أساسها على التصدير، واستطاعت أن تغزو أسواق أكثر من ثلثي دول العالم، وعلى رأسها أسواق أوروبا والولايات المتحدة، وأصبحت الشريك التجاري الأول لمعظم دول العالم على الرغم من أنها لا تستورد شيئاً سوى المواد الخام من نفط وغاز ومعادن وأيضاً التكنولوجيا الحديثة.

أي أنها تستورد فقط ما تحتاجه الصناعة لديها، ولديها شبه اكتفاء ذاتي كامل من السلع الاستهلاكية والأغذية والمنتجات الصناعية، وتمكنت الصين بهذه السياسة من تكديس احتياطيٍّ هائل من العملات الصعبة، يقدر بتريليوني دولار. وها هي الآن تستغل ظروف الأزمة المالية العالمية وتسعى لشراء العالم بأسره بأبخس الأثمان.

الصين تريد استخدام احتياطيها المهم من العملات الأجنبية الصعبة لشراء كلٍّ شيء ذي قيمة في العالم. حيث تحاول شراء أحدث التكنولوجيات من الولايات المتحدة وأوروبا، ورغم خوف وقلق الغرب من هذا الغزو المالي الصيني ووعيهم الكامل بأهدافه ومخاطره، إلا أن الأزمة المالية الحادة لا تعطيهم الفرصة لمقاومة هذا الغزو الصيني الجبار، حيث القرار الآن ليس للحكومات والأنظمة بل لمن يملك المال، وأي مؤسسة صناعية في الغرب الآن على استعداد أن تعطي كل ما عندها لمن ينقذها من الإفلاس والانهيار، حتى لو طلب أدق وأهم أسرارها الصناعية.

في نفس الوقت ذهبت الصين تستغل الانخفاض الحاد في أسعار مواد الطاقة والخامات الصناعية حيث تتجه لزيادة مخزوناتها من موارد الطاقة والمواد الخام، التي هبطت أسعارُها إلى الحضيض. ولقد ظهر ما يؤكد ذلك عند ما أعلنت قبل أيام أنها ضخت في مستودعاتِها الاستراتيجيةِ 100 مليون برميل من النفط. وتشير بعض المصادر إلى أن الصين بدأت منذ زمن بعيد بالاستثمار في استخراج الموارد الطبيعية في الخارج، حيث وقعت عقودا طويلة الأمد لشراء الغاز من تركمانستان والنفطِ من السودان، وحقول النحاس والكوبالت والفحم الحجري في عدد من الدول من ضمنها روسيا.

أيضاً يؤكد بعض الخبراء بأوضاع الجاليات الصينية المقيمة في أوروبا والولايات المتحدة أن الصين تخطط لغزو أسواق العقارات في هذه البلدان، خاصة في الولايات المتحدة، لكنها لا تنوي الإسراع في تنفيذ هذا الأمر بل تنتظر بعض الوقت حتى تصل الأزمة المالية العالمية إلى ذروتها وتنهار أسعار العقارات إلى أدنى مستوى لها في الولايات المتحدة وأوروبا وعندها تدخل الأموال الصينية لشراء هذه العقارات بتراب المال، وقد كتبت بعض الصحف الأميركية تحذر من هذا ألأمر.

وذكرت صحيفة «نيويورك بوست» أن من المتوقع أن تصبح على الأقل أربع مدن أميركية من أكبر المدن مثل لوس أنجلوس وسان فرانسيسكو وغيرهما ملكا للصينيين في خلال الأعوام الثلاثة القادمة عندما تنخفض أسعار المباني والمصانع في هذه المدن لأكثر من ستين أو سبعين في المئة ويعلن أصحابها إفلاسهم التام.

في نفس الوقت تذهب الصين لاستغلال الظروف للانتقام من بعض خصومها وأعدائها التاريخيين، وعلى رأسهم اليابان جارتها وعدوها التاريخي اللدود، ولن تكتفي الصين بغزو أسواق العقار وشراء الشركات في اليابان مع تدهور الأحوال المتوقع هناك،بل تسعى لحرمان اليابان من مصادر الطاقة.

حيث ذكرت صحف روسية أن الصين عرضت على روسيا التكلفة الكاملة لبناء خط أنابيب النفط من سيبيريا إلى الصين بشرط ألا يخرج من هذا الخط أي خط فرعي لأي دولة أخرى، المقصود بالتحديد هنا اليابان التي اتفقت مع روسيا على خط فرعي من خط سيبيريا، وإن كانت الجهات الرسمية الروسية أنكرت هذا الأمر تماماً، وقال مصدر في وزارة الاقتصاد الروسي إن هذا لا يمكن أن يحدث لأن القانون الروسي يمنع الاحتكار تماما في أي مجال إنتاجي.

أياً كان الأمر فإن التنين الصيني بدأ يكشر عن أنيابه ويستعد لالتهام فرائس الأزمة المالية العالمية.

كاتب أوكراني

vladi1949@mail