يبدو أن الأزمة السياسية الموريتانية بين مؤيدي الرئاسة «الشرعية» السابقة والرئاسة العسكرية «التصحيحية» الحالية، والتى تجاوزت حدودها الوطنية إلى حدود إقليمية عربية وأفريقية تتجه الآن إلى الحل برعاية أفريقية عربية عن طريق الحوار الوطني تجنبا لمحاولات أطراف دولية أوروبية وأميركية لإبقاء الأزمة وتوسيعها باسم «الديمقراطية» و«الشرعية» تارة وبين العسكر والمدنيين تارة أخرى، تبريرا لتدخلاتها المباشرة فى تلك الجمهورية العربية الإسلامية الأفريقية.
فقد رحبت أطراف الأزمة السياسية الموريتانية بمبادرة الزعيم الليبي «معمر القذافي» الرئيس الحالي للاتحاد الإفريقي للإجتماع فى مدينة» سرت «لإجراء حوار وطني بالجماهيرية لمنع تدويل الأزمة وإحباط التدخلات الأجنبية وحلها فى إطار البيت العربي الإفريقي، وذلك بمشاركة الجميع والرئيس المعزول «سيدى ولد الشيخ عبد الله»، والرئيس الحالي «الجنرال محمد ولد عبد العزيز»، وممثلى القوى المؤيدة لكلا الطرفين من الإسلاميين واليساريين، و«التكتل الديمقراطي» بزعامة «أحمد ولد دادة» والذى يقف فى الوسط بين الطرفين.
كما توصلت مجموعة الاتصال الدولية الخاصة بموريتانيا والمكونة من الاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي ومنظمة المؤتمر الإسلامي والجامعة العربية ومنظمة الفرانكفونية ومنظمات أخرى إلى بيان مشترك فى اجتماعها فى «باريس» تجنب الحديث عن التهديدات والعقوبات ودعا إلى إجراء حوار سياسي بين الأطراف لقى ترحيباً مماثلاً.
لقد مرت «موريتانيا الإسلامية» بعدة تجارب لنظم الحكم فى مابين النظام المدني برئاسة الرئيس المختار «ولد دادة» مابعد الاستقلال عام 60، والنظام العسكري بقيادة الرئيس المخلوع «ولد الطايع» وما بعده، وظننا أن الانقلاب العسكري بقيادة الجنرال «محمد ولد فال» رئيس أركان الجيش على «ولد الطايع» هو آخر الانقلابات..
وتفاءلنا بعدما وعد «ولد فال» وأوفى ببدء التجربة الديمقراطية الموريتانية، وبإجراء أول انتخابات تنافسية تعددية شفافة لا يشارك فيه قادة المجلس العسكري الحاكم، وبتسليم الحكم لمن ينتخبه الشعب خلال عامين، وهو ما شهد له الجميع، وأصبحت هذه التجربة عنوانا لديمقراطية العسكريين المانحين السلطة طواعية لديمقراطية المدنيين، تكرارا لتجربة المشير «حسن سوار الذهب فى السودان».
غير أن تلك التجربة الديمقراطية الوليدة التى أتت بالرئيس «سيدى ولد الشيخ عبدالله» سرعان ما مرت باختبار جديد، بعد الأزمة السياسية العاصفة حينما تحالفت الموالاة والمعارضة بمشاركة غالبية الأغلبية الحاكمة لإسقاط حكومة الأغلبية الحاكمة المدعومة من «الرئيس» وإجبارها على الاستقالة تجنبا لحجب الثقة عنها.
وربما أحدثت تلك الأزمة نوعا من الفراغ فى السلطة بما فتح الباب لانقلاب جديد بدا مبرراً بقيادة الجنرال «محمد ولد عبد العزيز» قائد الحرس الجمهورى، عزل الرئيس المنتخب «ولد الشيخ»، بما أثار الانقسام فى الرأى وولد الأزمة الحالية حول مدى ديمقراطية الحكم السابق الذى وقف ضد إرادة الغالبية البرلمانية وهدد البرلمان، وحول مدى مشروعية الانقلاب الجديد الذى اتهم بإجهاض التجربة الديمقراطية فيما يعلن هو عن محاولة لتصحيحها.
وفى حين أن أحد أطراف الأزمة يؤيد الانقلاب باعتباره «حركة تصحيحية»، يعارضه الآخر باعتباره انقلابا على الديمقراطية أو على الشرعية.. لكن فى النهاية يبقى الحوار الوطني لا العقوبات الدولية هو الحل.
كاتب مصري