تجوب منطقة الخليج ودول الاعتدال العربية ولربما بعض دول الممانعة العربية وفود رسمية أو شبه رسمية أميركية بعضها يمثل السلطة التنفيذية أو التشريعية فيها، تستكشف الأفق الجديد لسياساتها الجديدة وتحديدا امكانية انفتاح الإدارة الجديدة على إيران وثانياً أطروحاتها حول انسحاب أميركيا سريعا من العراق، وقد تأتي في بعضها المشكلة الفلسطينية وقد لا تأتي. فمحدداتها في ذلك لا تأتي من المنطقة وإنما تحدد خطوطها القوى السياسية والاقتصادية الداخلية المؤثرة في القرار الأميركي.

ويبدو أن الإدارة الأميركية قد اتخذت قراراتها فيما يتعلق بأمرين اثنين: أولها تقليص الحضور العسكري الأميركي البارز في العراق من حيث هو كفيل بأن يقلل من الخسائر البشرية والمادية ويقلل بالتالي من حجم الضغوط الداخلية على إدارة أوباما فيما يتعلق بالملف العراقي: أما الأمر الثاني وذو ارتباط بالأول فهو فتح قنوات اتصال مع النظام الإيراني عمادها كما من الإيرانيين الأميركيين الذين لا يرون من جدوى في استمرارية العداء مع الولايات المتحدة الأميركية.

وهو أمر قد يقود لربما بعد فترة نحو إعادة العلاقات الدبلوماسية المقطوعة بين البلدين منذ الإطاحة بنظام الشاه، إلا أن أي علاقة مرتقبة قد لا تمضي سريعا، فهي في ذلك بحاجة إلى فسحة زمنية تكيفية لعلاقة البلدين.

ولا بد من الإشارة هنا إلى أن بعض الأطراف العربية ولربما الخليجية قد أبدت بعضا من مخاوفها في أن يأتي أي تقارب أميركي ؟ إيراني على حساب مصالحها أو على حساب علاقاتها المتميزة مع الولايات المتحدة الأميركية.

وأعتقد أن قرارا أميركيا بضرورة العلاقة مع إيران قد أتخذ، وهو في ذلك قد حتمه البروز القوى لهذه الدولة على الصعيد الإقليمي، وهي في ذلك، أي الولايات المتحدة الأميركية وبفعل حضورها المكثف في العراق قد أصبحت الجارة الغربية لإيران، بل انها في ذلك قد أصبحت بالنسبة لإيران الخاصرة الأميركية العارية والمهيئة للوخز. ويعني هذا أن كلا الاثنين قد أصبحا من مرمى حجر الآخر.

وهي حالة تحتم عليهما أن يبذلا جهدا لتجاوز مواقع خلاف المصالح فيما بينهما ولو قليلا، وهو أمر قابل للتحقق إذا ما خف قليلا «التون» الأيديولوجي في الخطاب الرسمي الإيراني من ناحية ووهنت فيها صورة الشيطان الأكبر الذي منه تأتي كل الشرور(البندوره بوكس). ولا يتوقع أن يتم تجاوز مواقع الخلاف الأيديولوجي فيما بينهما على طريق العلاقة الصينية- الأميركية.

من حيث ان الصين قد أحدثت قدرا مهما من فك الارتباط بين الدولة والاقتصاد من ناحية، أي أن الاقتصاد صاحب أولوية تسبق في ذلك أولوية الأيديولوجيا للدولة، وهو الأمر الذي ما زالت إيران تعيش حالتها، وأن محاولتها لفك هذا الارتباط قد فشلت بعودة المحافظين القوية للدولة. من ناحية أخرى فإن الصين قد أدخلت قدراً من الواقعية في علاقاتها الخارجية.

وتجاوزت مرحلة نصب العداء للولايات المتحدة الأميركية في مواقع مصالحها كما تفعل إيران حالياً. أو على الأقل كما ترى الولايات المتحدة من سياساتها. بل ان الصين وبفعل هذه الواقعية السياسية قد أصبحت ذات ثقل اقتصادي وسياسي متنام ينذر بتحولات مهمة في ميزان القوة على الصعيد الدولي.

وتطور العلاقة الأميركية ـ الإيرانية مرهون بقدر من التطور في علاج ملفات سياسية وأمنية أخرى، ولا يبتعد الانفتاح على سوريا عن مداخل ترطيب العلاقة أولا قبل تطبيعها مع الإيرانيين، وقد يدخل في ذلك أيضا انفتاح أميركي ضئيل على حماس بالصورة وبالقدر الذي لا يخلق ردات فعل إسرائيلية قوية.

أما فيما يتعلق بالشأن العراقي، فإن انسحابا أميركيا كاملا من العراق غير ممكن من المنظور السياسي والعسكري، رغم التصريحات الأميركية القائلة بها حتى عام 2010. فالولايات المتحدة الأميركية هي حافظة الأمن في العراق وهي الضامن من أي انفلات نحو دولة دينية أخرى جديدة من مواقع مصالحها الاستراتيجية. وهي لذلك لن تقدم نحو أي انسحاب قد يحدث الخلل الأمني الداخلي والخارجي، أو قد يقود نحو إضعاف الحضور والسطوة الأميركية فيها.

فالأطراف السياسية المشاركة في الحكم في العراق هي في شقها العربي أما إسلاموية شيعية أو سنية، وأن المعارضة هي الأخرى إسلامية متطرفة. وأن الأطراف الحاكمة فيها لن ترغب في أن تضفي على النظام من الأسلمة التي تقاربه من الحالة الإيرانية أو من الحالة الاخوانية الحماسية.و أن تراجع العنف في العراق لا يقدم ضمانات بعدم عودته مرة أخرى.

من هنا فإنه قد يكون من المنظور الاستراتيجي أن تكون هناك علاقة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران وهما اللذان وبفعل نزاع المصالح فيما بينهما فإن الإقليم العربي قد أصبح يدفع قدرا من التكلفة الاقتصادية والسياسية. بل ان المنطقة العربية وبفعل ملفاته المستعصية على الحل فإنها قد فوتت عليها فرصا مهمة في النهوض الاقتصادي، بل قد أصبحت وبفعل ذلك واحدة من أكثر أقاليم العالم تلكؤا في الصعود وفقدت نتيجة لذلك عنصر المبادرة في أي من أنواعها.

وخلاصة القول فإن أي علاقة أميركية- إيرانية قد تعطي الأول مواقع ضغط ولو بسيطة على النظام إيراني وهي في هذا نقطة في صالح بعض الأطراف الإقليمية المتخوفة وليست ضارة بها.

كاتب بحريني

drbaqer@gmail.com