من جديد دخلت الأوضاع في لبنان مرحلة حبس الأنفاس. استحقاقات كبيرة ومفصلية نقلت البلد إلى أجواء من الحذر والترقب، بل من التوتر، منها ما حان موعده، ومنها ما بات على موعد قريب.

وكان منسوب السخونة قد أخذ يرتفع، في الآونة الأخيرة. خروقات أمنية، وقعت في أكثر من مكان، الخطاب السياسي، ارتفعت نبرته، وإن على نطاق محصور. ثمة حالة من الاحتباس، يعيشها البلد. لكن تطورات الأيام الأخيرة، ساهمت في التخفيف من وطأتها. على الأقل حتى إشعار آخر. وبالتحديد لحين مواجهة الاستحقاق الانتخابي الشديد الحساسية.

مباشرة المحكمة الدولية الخاصة بقضية اغتيال الرئيس الحريري، فتحت فصلاً جديداً، في كتاب الأزمة اللبنانية. تركت حالة من الاسترخاء، ولو أنها أعادت فتح الباب، مرة أخرى، أمام التكهنات والظنون؛ مع كل ما يستبطنه ذلك من فرز واصطفاف سياسيين. في المواقف المعلنة، لا خلاف بين اللبنانيين، على المحكمة. هناك تسليم بمرجعيتها القضائية، لإعطاء حكمها في هذه الجريمة؛ التي تجمع كافة الأطراف اللبنانية، على وجوب كشف ملابساتها.

مرور انتقال هذا الملف من بيروت إلى مقر المحكمة، قرب لاهاي، بهدوء؛ خفف من الطابع السياسي لهذه القضية. وضعها بيد العدالة، لتأخذ مجراها. ولو أن لها جوانب وتوابع أخرى، لم تحسم بعد. كذلك صبّ في هذا المجرى، انعقاد الجلسة الخامسة للحوار الوطني أول من أمس.

صحيح أنها لم تسفر عن أي تقدم ملموس. وصحيح أنها تحاشت البحث في بنود أساسية. لكن سادها توافق على الاستمرار بالتهدئة. وهذه أهم ما يحتاجه لبنان في الوقت الحاضر. وضعه الهش، ناهيك عن التأثيرات الإقليمية الساخنة على ساحته، لا يحتمل أقل من ذلك.

الجلسة القادمة بعيدة. بعد حوالي شهرين. لكن المهم أن العملية متواصلة. ربما كان الامتحان الأصعب أمامها، بعد أقل من مئة يوم؛ عندما يحين موعد الانتخابات النيابية، المحطة الأخيرة في اتفاق الدوحة. أمور كثيرة على المحك. ليس آخرها، قدرة البلد، على الانتقال إلى مرحلة متقدمة؛ في تجاوزه للأزمة وتوطيد بناء مؤسساته؛ فضلاً عن الالتفات إلى معالجة ملفاته الخلافية الكبيرة. من هنا أهمية النجاح في امتحان الانتخابات.

مقارنة بما كانت عليه الأوضاع، العام الماضي مثل هذه الأيام؛ يبدو لبنان الآن في حال أفضل. آنذاك كان على أبواب انفجارات. اليوم هو يقف أمام احتمالات واعدة. لكن لبلوغ المنشود، لا تزال أمامه مسافة عليه عبورها؛ وهو في وضعية كمن يمشي على حبل مشدود. القدرة على الانضباط في حالة من التوازن الدقيق، مفتاح العبور السليم، والقرار بالنهاية قرار اللبنانيين.