لكم محزن صوت الشارع الفلسطيني المعزول عن انحياز حزبي لحماس وفتح، وهي القوى العمودية للمعبد وشمشون، فكل ما يتم استفتاء الشارع الفلسطيني من محطات عربية وغير عربية أو حتى مراكز بحوث نجد النتيجة إن غالبية الأصوات التي ترى في محنة ذلك القتال ودوامته المستمرة تراجعا بالقضية الفلسطينية للوراء، وجرها سنوات من كفاح مرير فتؤثر نتائج ذلك الصراع على أحلامه وأطفاله ومعيشته وخبزه اليومي.

فيما راح الجانبان الأساسيان في الاقتتال لا يلتفتان إلى قضية الشعب الطويلة وإنما إلى مصالح حزبية ضيقة، إذا ما جردناها من فلسفة الكلام والشعارات والمناورات السياسية عند تلاقي هاتين القوتين، فتنحصر وبكل صراحة حول كيفية تقاسم السلطة، بل وعندما يتم بالفعل بروز تلك النزعة الضيقة لمصالح الشعب ـ وطبعاً كل قوة كثيرا ما استخدمت ووظفت مفرداتها المعلنة بأنها المدافع الحقيقي عن الشعب الفلسطيني ـ تبدأ عملية التشابك السياسي الكلامي أولا في تلك الاجتماعات وتنتهي بعد نزاع داخل القاعات.

نحو الاتهامات الجاهزة وتوظيف إعلامي لا يخدم الجانبين، باتهامات خطيرة تساهم في تغذية رجل الشارع الفلسطيني بقيم وأفكار ومادة تدفعه للتمزق والانقياد إلى التيه السياسي، بل والى الكراهية للساسة والحزبين وتدخله في حالة تنافر مع قضيته التي كثيرا ما ضحى من اجلها طويلا ودفع ثمناً عالياً من أجلها، ثم تأتي الفصائل في صب نار زيت التشويش والكراهية عن المواطن الفلسطيني، ومن ثم تصبح تلك الكراهية حالة متضخمة تولد انعدام الثقة، والتي لا تساعد العدو وحسب.

بل وتقدم له أوراق سهلة دفع أموالا باهظة من أجلها لكي يستخدمها إعلامياً ويطورها نفسياً باعتبارها باتت عملية مهمة لاختراق جدار النفس الفلسطينية، ولا يستوعب علتها إلا بعد أن يدخل حربا مدمرة كما هي حرب غزة الأخيرة. أتذكر صديقي كلما نشبت حالة اقتتال دموي قاس ومهلك بين الفصائل أولا وبينها وبين العدو الإسرائيلي ثانيا، جمله وحلمه، بعد عودتهم إلى الأراضي المحتلة عام 1992 -1993 قائلا وبكل حماس وعاطفة الفلسطيني الممزقة في بلدان الغربة.

فقد كان الفرح يملأ قلبه وعينيه بأن مشروع الدولة يعني انتهاء زمن التلاعب بحقوق الفلسطيني فعلى الأقل سيكون لديه جواز سفر يسهل له الحركة والاعتراف في سفارات الدنيا، بدلا من تلك الوثائق التي لم تمنحه حتى فرصة المساهمة في السفر إلى كل البلدان العربية!!

هذا الحلم تمدد حماسا ونحن ننشط قدمانا مشيا في صيف نيقوسيا، فقد اخذ الفلسطينيين فيها يشحنون أمتعتهم ويحولون أموالهم وكل ما جمعوه من شقاء العمر، كان حماسه شديدا وإيمانه عميقا بأن وعي الإنسان الفلسطيني وثقافته وتجاربه في البلدان علمته معنى الحياة الديمقراطية وعلينا أن نتعلم من تلك الديمقراطيات الغربية بل وعلى الأقل جيراننا الأقرباء في المنطقة كالتجربة القبرصية والشرق الأوسطية.

ظللت استمع لذلك المثقف الهادئ عادة ولكن مسافة وعيه في ثقافة الفلسطيني لم تكن عميقة فقد اختزلها في الذين عاشوا في الخارج ونسى مسألتين، واحدة في الخارج وأخرى في الداخل.

فقد كان رجل الشارع البسيط في الضفتين رام الله وغزة لم يتبلور إلا في حدود تجارب داخلية وما قبل الاحتلال ولكن تجربة ما بعده في معنى إدارة السلطة داخل فسيفساء اجتماعي وسياسي فلسطيني يختلف عما هو في الخارج، والمسألة الثانية هي فصائل الثورة بنزعتها القتالية وثقافتها السياسية المحدودة فهي ظلت في الخارج تقدم الولاء لمن يدفع لها رواتبها ولقمة عيشها.

مثل هاتين المسألتين شائكتين إذا ما قمنا بدراسة تاريخ الانتفاضات والثورات التي نجح فيها القليل وفشل فيها الكثير الكثير، بسبب تباين المصالح وتفضيل المصالح الذاتية للحزب والفصيل على حساب مصالح الشعب، والتي بالفعل رفعت القوى كثيرا من اجلها تلك الشعارات البراقة وتوهمت إنها بمفردها قادرة على إدارة السلطة في مرحلة ما قبل الثورة أو الانتفاضة، وهي المرحلة العسيرة جدا لكل شعب.

تصور صديقي أن الشعب الفلسطيني لديه من ثقافة وتعليم كافيين في إدارة حلمه وديمقراطيته، وسوف نجعل من تلك الديمقراطية «الفلسطينية» نموذجاً عربياً، بل وشرق أوسطيا حيث تراجعت عملية تطور التجربة اللبنانية، وقد نسى إن احد العناصر الأساسية في ذلك الاقتتال القوى الفلسطينية بفصائلها التي غذتها وأفسدتها الأموال العربية في لحظة قفزة الأسعار والفوائض النفطية « المدهشة». وتلمس جيلنا محطات عربية لمعسكرات الفصائل الفلسطينية وشبابها الحالم بالعودة ولكنه لم يكن يتلقى ثقافة ما بعد مرحلة دخوله الأرض الموعودة والدولة المنشودة.

فليس عقد الاتفاقيات وتوقيعها ينجز مشروع الحلم فجأة، فهناك محطات معقدة بحاجة إلى وعي عميق لفهمها، وبقدر ما غذت الأموال العربية الثورة فإنها بالمثل تقاسمت دمها ولحمها مثلما تقاسم الشعب الفلسطيني وفصائله لحمه ودمه في محطات تاريخية كثيرة ولم يتعلم منها بعد. وكلما سفك دمه في الشارع وارتفع صوت الشعب يناشد بضرورة وحدة الشعب الفلسطيني، عاد المتقاتلين وقادتهم لترديد النغمة أيضا وكأنها موال سياسي جاهز.

بل وتناست الثورة عندما وجدت نفسها في الداخل حقائق جديدة لا يمكنها تجاوزه، وبضرورة تعلم الاستماع من حكمة الفلسطيني العادي ومثقفيها الذين رفعوا صوتهم دائما بأن الحالة الفلسطينية الراهنة تحتاج إلى توافق وطني يجمع كل الفصائل ويوحدها في خياراتها وتوجهاتها الفلسطينية وليس تتبع برامجها الحزبية الضيقة، ففي هذه اللحظة التاريخية لن يجدي حركة أو حزبا لوحده إدارة مشروع الدولة وتحولاتها، وإنما عملية حقيقية لوحدة وطنية تنهي الانقسام وتنجز برنامجها الموحد من مرحلة الانتقال، ففي البرنامج وحده القائم على الحقائق والواقعية والتنازلات يمكن تحقيق الحلم الفلسطيني ولو على مستوى المستقبل المنظور.

ولن تنتصر قضية يتقاتل قادتها على المقاعد بحجة الاستحقاقات وغيرها من المفردات العبثية والأنانية لشعب دمه لا يزال طرياً وأسراه يتكدسون بالمئات في سجون العدو. لهذا على المجتمعين خلف القاعات والمكاتب المغلقة أن يستمعوا ولو لمرة لحنجرة الأسى والحسرة التي يرددها رجل الشارع إلى قادته قائلاً: )نأمل خيراً، وأن يتحدوا وينهوا معاناة الشعب الفلسطيني! لكي يتحقق بالفعل حلم صديقي ليس بصناديق الاقتراع وحدها، وإنما بديمقراطية حقيقية يقبل لعبتها الجميع، ويبرهن بعدها الشعب الفلسطيني فعلاً أنه النموذج الديمقراطي الجديد).

كاتب بحريني

baderabdulmalek@yahoo.com