كتبت في جريدة البيان بتاريخ 20/11/2007 موضوعاً تحت عنوان «محاربة الفساد بين الدول المتقدمة والنامية» فتلقيت حينها ردوداً حوله، لكن لفت نظري رد قاس على الموضوع، يقول فيه صاحبه: إن أمثالي الذين يكتبون في هذه المواضيع التي يرونها فساداً لا يقدرون الذين يقومون بأعمال خارقة من أجل الارتقاء والتطور، وفي مجمل رسالته كان يدافع عن من أراهم مفسدين ومن يراهم مبدعين. فشعرت من رسالته أنه قد يكون أحد المعنيين ظناً منه أن الموضوع يتعلق به، مع أني كتبت عن الفساد بشكل عام.
ولم أجد سبباً للرد عليه حينها، فجاءت الكارثة الاقتصادية العالمية، ومؤخراً أكد بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة وهو أعلى سلطة تنفيذية على مستوى العالم، بأن الفساد والرشاوى كانت وراء الفوضى والأزمة الاقتصادية في العالم، وأمين عام الأمم المتحدة لا يصرح بذلك إلا إذا كانت لديه إثباتات.
خلال السنوات الماضية أخذ الفساد المالي والإداري طابعاً رسمياً فاق كل التصورات، وأصبح يتم علناً في بعض الدول، فهناك رؤساء ومدراء في الشركات والمؤسسات العامة استغلوا الفوضى والطفرة الاقتصادية وصرفوا لأنفسهم ولكبار الموظفين رواتب تتعدى المقبول والمعقول ومبالغ طائلة وبالملايين تحت مسمى مكافآت أو «Bonus» نظير جهود بذلوها في عملهم، وكأن ذلك ليس هو المفروض، بل على العكس، اعتبروا أن المكافآت حق شرعي لهم.
ولم يستنكروا أو يروا عيباً في ذلك مع أنهم موظفون أو رؤساء مجالس إدارات، عليهم أن يؤدوا واجبهم تجاه تلك المؤسسات لأنهم يأخذون رواتب شهرية مقابل ذلك، وإن حققوا نجاحاً مادياً للشركة أو المؤسسة، فذلك يأتي ضمن واجباتهم وإن لم يقوموا بذلك، فالمفروض أن تتم محاسبتهم، ومعاقبتهم وليس العكس، وهذا ما يتم في بعض الدول التي لديها الرقابة الشعبية والشفافية الحقيقية.
والتي قد تمر فيها مثل هذه المواضيع لبعض الوقت، لكن ليس لكل الوقت، والذين تدفع لهم المكافآت والامتيازات يعلن عنها رسمياً في وسائل الإعلام المختصة. وفي المقابل يفضحون كل من يشكون في أنه قام باختلاس أو تلاعب في الأموال العامة، والدلائل كثيرة فقد تمت محاسبة أو محاكمة رجال كانت لهم صولات وجولات في مجال المال والأعمال.
ففي الولايات المتحدة الأميركية عارض أعضاء في مجلس الشيوخ الأميركي مشروعاً لدعم بعض الشركات، لأن رئيس مجلس إدارة إحدى الشركات حسب قولهم قام باختلاس أموال من صندوقها، وأعطى لنفسه الحق في صرف مكافآت بالملايين وقد يحاكم ويسجن إن ثبت عليه ذلك، وفي الفترة الأخيرة نشرت أسماء كبار الشخصيات الاقتصادية الذين اعتبروا بشكل أو بآخر أن لهم دوراً في الكارثة التي وصلت إليها دولهم.
أما في الدول العربية، فالمدح والثناء جزء من الحياة اليومية مهما عصفت بها من الكوارث، والمواطن تعود على قراءة اخبار المتميزين والمبدعين التي تنشرها الجرائد بشكل يومي، وكأنه يتابع سيرة الملائكة، أفهؤلاء ليسوا بشراً لهم حسناتهم وسيئاتهم وغير معصومين من الخطأ؟
فعند العرب يكافأ المسؤول بالترقية وصرف الامتيازات. وهناك مسؤولون كانوا سبباً في انهيار مؤسسات عامة، وهناك أيضاً مسؤولون يتصرفون دون اهتمام أو دراسة بزيادة تكاليف المشاريع دون حسيب أو رقيب، ومع ذلك مازالوا مستمرين في مناصبهم، وكأنه لا بديل لهم، مع أن الوطن العربي يزخر بالكفاءات والمبدعين في مجالات عديدة.
إن خسائر الشركات وإفلاسها يمكن أن يحدث في أي زمان ومكان والأخطاء واردة، لكن علينا نحن العرب بالشفافية في التعامل مع الأحداث، خاصة إذا كان الأمر يتعلق باقتصاد الدول، لأن كتمان النتائج سلبية أو ايجابية كانت، ومحاولة اخفائها لا يعني أن عامة الناس لن تعرف، فكما أن هناك قنوات وصحفا مختصة في المديح والمبالغة، هناك أيضاً قنوات فضائية وصحف عالمية تنشر بشكل يومي اخبار العالم السيئة قبل الجيدة.
لذا عندما تقع الكارثة ويكون طرفاً فيها شركات عامة فلابد من إجراء التحقيقات اللازمة ومحاسبة المسؤولين، حتى لا يتكرر ذلك وتعم الفوضى، وهذا هو النظام المعمول به في أوروبا وأميركا وفي الدول المتحضرة التي تتغير فيها الحكومات ومجالس إدارة المؤسسات العامة كل عدة سنوات، وبناءً عليه يتغير تقييم نتائج أعمال المؤسسات وتتم محاسبة كل من كان طرفاً في سوء أدائها أو إدارتها.
وفي الولايات المتحدة مثلاً قام الرئيس الأميركي باراك حسين أوباما بإعادة هيكلة التشريعات التي تحكم «وول ستريت» للحد من الفساد المالي. فهل سمعنا أو قرأنا مثلاً بأنه تم تشكيل لجنة للتحقيق في قضية تلاعب في الأموال العامة في الدول العربية؟ طبعاً لا!! فنحن لا نسمع عن التلاعب أصلاً، فكيف يتم التحقيق في شيء لا وجود له في الدول العربية لأنه لا حسيب ولا رقيب؟ وكله على الله.
كاتب إماراتي