.. أما وقد أصبحت المحكمة الدولية أمرا واقعا بعد انطلاقتها الرسمية قبل أيام، فإنه قد يكون مفيدا توجيه الجهود والأنظار نحو جملة من الأمور التي يجب أن تترافق مع المهمة السامية التي قامت من أجلها أصلاً. فالمفترض، حسب تصريحات أصحاب النوايا الطيّبة، أن هذه المحكمة لم تؤسس بغرض الانتقام من أشخاص أو مسؤولين أو دول، بل من أجل تحقيق العدالة التي يطمح إليها كافة أبناء الشعب اللبناني، وربما العربي أيضاً، وجعل هذا المشروع القضائي أداة عدل منطلقة دائماً لمحاسبة المجرمين والقتلة.
ولعل الشعور الأول الذي يتولّد في الذهن أثناء متابعة ما يجري على هذا الصعيد، هو شعور الأسف والأسى لأن مشروع العدالة المرتبط بقضية الاغتيال السياسي الحديث في لبنان لم يولد من رحم النيّة العربية المتضامنة، ولا من التكاتف الوطني اللبناني الشامل، بل نتيجة الضغوط الدولية المختلفة التي رافقت المساعي المبذولة من قبل «بعض» الجهات اللبنانية ومن يتحالف معها في بعض الدول العربية. وهذا أمر مؤسف وخطير في آن نظرا للحقائق والمعطيات التالية:
ـــ أن ولادة المحكمة الدولية كانت عسيرة جدا بسبب العقبات التي كانت تضعها أمامها أطراف لبنانية وعربية، ما استدعى اللجوء لاحقا إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة وفرضها بالقوة.
هذا الأمر ولّد بلا شك انطباعا محقّا لدى كثيرين بأن ثمة من لا يرغب بقيامها لأنه قد يكون متّهما أو ربما متورطا في عمليات الاغتيال السياسي التي انطلقت في العام 2005 لتستهدف رئيس الوزراء الأسبق المرحوم رفيق الحريري، لكن بالدرجة الرئيسية مشروعه الفكري الذي كان يتبناه ويحاول تكريسه كمقدمة للتغيير السياسي الشامل في لبنان.
ـــ أن بعض الأطراف في لبنان وبعض الدول الإقليمية تصر حتى الآن على إشاعة الأفكار والمواقف المماثلة التي تسعى من خلالها للتشويش على مصداقية المحكمة الدولية، وهو ما يبدو وكأنه استكمال للأداء السابق الذي رصدناه أثناء عمليات التحقيق والجهود التي رافقت تشكيل الهيئة القضائية.
أما خطورة هذا الأمر فتكمن في أن هؤلاء يبدون، عن قصد أو غير قصد، كمن يُمعن في جهود تعطيل إحقاق الحق وفضح المتورطين في الجرائم المختلفة التي تم ارتكابها، مستخدمين لذلك ذرائع وحجج غير واضحة وأحياناً غير منطقية على الإطلاق.
والمؤسف أن تلك القوى لم تستقرأ بالشكل المطلوب حركة التاريخ والحاضر أيضا، ولم تستفد من العبر التي قدّمتها تجارب شعوب كثيرة في المنطقة وغيرها، فتراها مصرّة على التمترس وراء نفس الشعارات البالية التي ملّ الناس منها، وتستخدم لهذا الغرض تلك اللغة الخشبية التي لم تعد قادرة على إقناع أحد أو مجاراة العصر بكل ثقة.
ومن هنا، فإن مشروع قيام المحكمة الدولية من أجل لبنان سيتقاطع على ما يبدو مع تطورات الوضع السياسي الداخلي في هذا البلد، لكن أيضا مع تفاصيل الوضع الإقليمي وتأثيراته المختلفة في أكثر من ساحة.
فعلى الصعيد الداخلي يمكن القول بأن عدم وجود التضامن الشامل في ما يخص مشروع كشف الحقيقة إنما ينذر بعواقب كثيرة أقلها استمرار الشرخ الكبير بين أبناء الوطن الواحد بخصوص جوهر الشعارات والتمنيات والتوجهات المرحلية والاستراتيجية التي يجب على الجميع تبنّيها والوقوف خلفها. وحتما، فأنه إذا لم يتم استدراك ذلك الخطر في الوقت المناسب فإن التوتر الذي شهدناه في شوارع لبنان منذ الحدث الجلل في فبراير من عام 2005، سيستمر لكن بنسب أعظم وسياق مختلف هذه المرة.
ما يساهم في إثارة الحيطة والاستغراب أثناء التفكير والتنبؤ بما يمكن أن يحدث، هو التساؤل المحق الذي يطرحه كثيرون بين وقت وآخر، وهو أنه إذا لم يتمكن اللبنانيون من التوحد خلف شعار دعم هذه المحكمة الدولية التي من المفترض عليها أن تكشف حقيقة اغتيال رئيس وزرائهم السابق، فعلام إذا يتوحدون؟
وإذا لم يتوافقوا على ضرورة وضع حد لظاهرة الاغتيال السياسي التي مزّقت الوطن منذ أوقات طويلة وليس منذ العام 2005 فقط، فهل معنى ذلك أن بعض تلك القوى راغب فعلا ببقائها كأداة قمعية يتم استخدامها بين وقت وآخر ضمن أساليب الصراع السياسي القائم؟
أعتقد جازما بأن القوى السياسية الرئيسية في لبنان لا يمكنها أن تراهن على أي من التوجّهين المذكورين أعلاه، فلا الرفض العلني أو السري للمحكمة ولا التأييد المبطّن لظاهرة الاغتيال السياسي سيساهم برفع رصيدها الشعبي بأي شكل من الأشكال. وذلك لن يساعدها حتما في تكريس نفسها كقوة سياسية عقائدية قوية على الساحة المحلية، ناهيك عن إمكانية تسويق نفسها كقوة وطنية سليمة.
المطلوب إذا في هذه اللحظة التاريخية أن تتكاتف القوى اللبنانية بشتى تياراتها وتفاصيلها العقائدية، لتبرهن للرأي العام المحلي والدولي أنها راغبة فعليا بإظهار الحقيقة، وتاليا وقف مسلسل الدم الذي حصد حتى الآن مجموعة من السياسيين والمفكرين لا لشيء سوى لأنهم يملكون آراء وأفكار خاصة بهم. هذا الأمر مطلوب بالدرجة الرئيسية من القوى التي اتُّهمت في السابق، ولا تزال متّهمة، بتبنّي بعض الخطوات الرامية لوضع العراقيل أمام عملية انطلاقة المحكمة الدولية، وبالسعي لإفشال مشروعها القضائي في لبنان والمنطقة.
أما الدول الإقليمية المعنية بما يجري في هذا الشأن، وفي مقدّمتهم سوريا، فمطلوب منها كما ذكرنا في مقالات سابقة أن تتعامل مع نشوء هذه المحكمة انطلاقا من كونها مقدمة لإثبات براءتها من التهم غير المبررة قانونيا التي قد تكون بعض القوى قد ألحقتها بها. فلا التصريحات العنيفة ولا التمترس وراء الحملات الإعلامية سيساهم في إظهار الحق الذي يتطلع إليه الجميع. وحده الموقف الجريء قادر على مواجهة التهم الباطلة وكشف زيف الإدعاءات….
كاتب لبناني
