وقعت الحكومة السودانية وحركة العدل والمساواة بالعاصمة القطرية الدوحة يوم الثلاثاء 17 فبراير الماضي على وثيقة «إعلان حسن النوايا وبناء الثقة» تمهد لاتفاقية إطارية لوقف الأعمال العدائية بين الطرفين في إقليم دارفور. وحدد الاتفاق إطاراً زمنياً للوصول إلى اتفاق سلام في غضون ثلاثة أشهر. وتنص الوثيقة على توفير السبل الآمنة لإيصال المعونات إلى محتاجيها في دارفور، وتبادل الأسرى والسجناء وفق جدول زمني.

ويؤكد الاتفاق أن «السلام خيار استراتيجي والجميع متمسكون بعملية التفاوض، وأن الدوحة ستكون مقر المفاوضات المقبلة بين الطرفين»، وهو يمهد الطريق لمناقشة الملفات الكبيرة التي تحتاج إلى وقت أكبر، مثال تقاسم السلطة والثروة والترتيبات الأمنية. وأعلن الدكتور خليل إبراهيم رئيس حركة العدل والمساواة أن حركته حريصة على انضمام كل الحركات الأخرى والمجتمع المدني في السودان ودول الجوار خاصة تشاد وليبيا ومصر واريتريا إلى المفاوضات، داعياً إياها إلى العمل على دعمها لتتكلل بالنجاح.

هل سيقود هذا الاتفاق إلى تحقيق السلام الشامل في دارفور، ويكون بمنزلة انطلاقة كبرى للسودان يُسكِت بها المؤامرات الخارجية ضِدّه؟

في مقابل ما تم إنجازه في الدوحة، أعلنت المحكمة الجنائية الدولية أنها ستصدر يوم الأربعاء 4 مارس 2009 قرارها في شأن إصدار مذكرة توقيف في حق الرئيس السوداني، بتهمة الإبادة الجماعية، وجرائم الحرب في إقليم دارفور الذي اندلع فيه القتال منذ سنة 2003، بين الفصائل المتمردة المدعومة من الخارج وبين قوات الحكومة السودانية وميليشيا الجنجويد المتحالفة معها.

وفيما تذهب الحكومة السودانية إلى أن عدد ضحايا الحرب في إقليم دارفور غرب السودان، لا يتجاوز عشرة آلاف شخص، تقدر الأمم المتحدة العدد بنحو 300000 شخص، إضافة إلى تشريد 7.2 ملايين شخص.

وإذا صدرت مذكرة التوقيف هذه، فإن الرئيس السوداني سيكون الرئيس الرابع الذي سيتم توقيفه من قبل المحكمة الجنائية الدولية، وهو لا يزال يمارس السلطة، إذ سبقه في هذا المجال ثلاثة رؤساء من صربيا وليبيريا. وكانت المحكمة أصدرت في مايو 2007 مذكرتي توقيف في حق وزير الشؤون الإنسانية السوداني أحمد هارون، وقائد ميليشيات الجنجويد المتحالفة مع الحكومة، علي كشيب، لاتهامهما بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ولا يزال السودان يرفض تسليم المتهمين.

وتحاول وفود من الجامعة العربية والاتحاد الإفريقي مؤيدة للسودان إقناع الدول الغربية في مجلس الأمن الدولي بتأجيل لائحة اتهام المحكمة الجنائية الدولية بحق الرئيس السوداني عمر البشير بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية في دارفور لمدة سنة واحدة، مثيرة بذلك المادة 16 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

ومن الواضح أن إدارة أوباما ليست مستعدة لعقد الصفقات السياسية، أو الاستغناء عن العدالة التي جعلت منها حجر الأساس لها. وكان سكان جنوب السودان قد رحبوا بانتخاب باراك أوباما رئيساً للولايات المتحدة الأميركية، قابله تشاؤم واضح في شمال السودان، وفي صفوف أصحاب السلطة، الذين يرون أن تحقيقات المحكمة الجنائية الدولية مؤامرة أميركية على السودان، و«موقف استعماري».

لقد نجم عن الأوهام القومية والإسلامية لدى النظام السوداني، تداعيات خطيرة اجتماعية وسياسية وثقافية شديدة الوضوح، تمثلت في تهميش الأقليات الإثنية ـــ اللغوية والدينية غير العربية واضطهادها، الأمر الذي دفعها دفعاً إلى تعزيز تمايزها وتنمية الميول الانكفائية أو الانعزالية لديها، وتعزيز الميول الانفصالية لدى بعضها، بسبب التمييز بين المواطنين في الحقوق على أساس اللغة والدين والمذهب والطائفة والاتجاه الفكري والسياسي، وحلول الامتيازات محل الحقوق، والولاءات الحزبية والإيديولوجية والشخصية محل القانون.

ولا يعني هذا تبرئة الجماعات العرقية والإثنية السودانية المدعومة من اللوبيات الصهيونية في الولايات المتحدة، والتي أقامت علاقات تحالفية مع إسرائيل، التي تمدها بالمال والسلاح والتدريب، وتشجعها على الانفصال بهدف تفتيت السودان، والقضاء على دولته المركزية.

كاتب تونسي

tawfik-m@scs-net.org