أثار تعديل الدستور فى الجزائر وفنزويلا وماسبقهما من بلدان عربية وغير عربية لرفع القيد الدستورى على مدة ولاية الرئيس المنتخب لأكثر من دورتين الجدل السياسي والإعلامي العربي حول مدى ديمقراطية مثل هذا التعديل فى بلدين تشير عناوين سياسة الحكم فيهما إلى إنتهاج النظام الإشتراكي الديمقراطي، مع فروق فى محددات النظرية وفروق فى درجات التطبيق لكل من الاشتراكية والديمقراطية معاً.
ومثار الاهتمام العربي بهذه المسألة هو أنهما قريبتان من بؤرة الاهتمام الشعبي العربي، حيث بقيت الثورة الجزائرية والثورة البوليفارية إلى اليوم مصدر إلهام للمناضلين من أجل التحرر الوطني والاقتصادي والاجتماعي فى العالم الثالث ، وتأثيرهما سياسيا في مساندة قضايا النضال العربي في التحرر من الاستعمار وعلى رأسها قضية الاحتلال الصهيوني في فلسطين والغزو الأنجلو أميركي للعراق.
وفى حين أن موضوع الجدل له طرفان أحدهما يرى أن الديمقراطية تتطلب ألا تزيد مدة الولاية الرئاسية عن دورتين فقط لأن فى هذا إعلاء لإرادة الرئيس على إرادة الشعب التى عبر عنها الدستور، وأن الآخر يرى أن تعديل الدستور لاستمرار ولاية الرئيس بالانتخابات هو الديمقراطية باعتباره إرادة الشعب، يبدو ضروريا الإشارة للرأي الثالث الذى لايرى الديمقراطية في تحديد مدة الرئاسة أو إطلاقها وإنما في ضمانات أن يجرى هذا أو ذاك حقا بإرادة حرة وحقيقية للشعب وليس بإرادة الرئيس.
وإذا كانت الديمقراطية تعنى في البداية إعلاء «إرادة الشعب» على إرادة الفرد أو الحزب، فإنها تعني في النهاية توفير شرط الحرية لكل أفراد الشعب وتياراته السياسية في التعبير عن إرادتها بغير كبت لرأى أو قهر لفكر أو استبعاد لأى خيار سياسي، وتوفير الضمانات القضائية والاقتصادية لحرية الاختيار، ومشاركتها الفعلية لإعلاء إرادتها السياسية الحقيقية في الانتخابات بغير حظر ولا حبس ولا إقصاء لأسباب سياسية أو عرقية أو دينية، وبغير استئثار لحزب حاكم بصياغة وتعديل الدستور أو القانون أو القرار.
وباعتبار أن الديمقراطية وسيلة وليست غاية، وآلية وليست أيديولوجية، وصولا إلى إعلاء إرادة الشعب في اختيار رئيسه أو عزله بالوسائل الدستورية، فإن لإرادته الحرة أيضا تحديد مدة ولايته أو مدها بما لايخالف القاعد الدستورية، لكن الأهم في كل ذلك كدليل على سلامة العملية الديمقراطية هو ضمان سلامة عملية الترشيح والانتخاب، بلا ترهيب أو ترغيب غير مشروع، وسواء بتزويرأصوات الناخبين، أو بفرض إنجاح المرشحين بغض النظر عما تحويه صناديق الاقتراع.
وما يجعل الاهتمام باستفتاء فنزويلا أو انتخابات الجزائر محلا للنقاش هو غياب الثقة في سلامة الانتخابات أو الاستفتاءات في بلادنا العربية، والفارق بين الواضح بين انتخابات عربية تفتقر إلى الكثير من الضمانات الديمقراطية، أو إنتخابات فنزويلية، أو حتى أميركية أو إسرائيلية أقرب إلى الديمقراطية بغض النظر عن رأسمالية النظام أو اشتراكيته.
ومن المفيد هنا أن نتذكر أن الشعب الفنزويلى الذي انتخب رئيسه «شافيز» بإرادة حرة وفي انتخابات ديمقراطية وبغالبية ضخمة منذ عشر سنوات، هوالشعب وليس الجيش الذى أعاد «شافيز» إلى الحكم تصديا للانقلاب العسكرى المدعوم أميركياً على حكمه الديمقراطى في سابقة مثيرة، وهو نفسه الشعب الذى قال «لا» للرئيس الذي يحبه ويحترمه في ثلاثة استفتاءات من بين 15 بطريقة مثيرة، وفي الاستفتاء قبل الأخير بنسبة 51%، وهو الذى قال «نعم» في الاستفتاء الأخير بنسبة 54 %.. وليس بنسب تتجاوز 80% وحتى 99%!