لعلها صدفة بحتة، لكنها على أي حال صدفة جميلة، أن يأتي اجتماع لجنة تطوير المناهج الوطنية السادس ــ لمناقشة التطورات الأخيرة في المناهج الوطنية التي تم بناؤها انطلاقا من الوثائق المطورة لمناهج التربية الإسلامية واللغة العربية والدراسات الاجتماعية والتربية الوطنية ــ متزامنا مع احتفال «اليونسكو» بــ «اليوم العالمي للغات الأم» الذي درجت على الاحتفاء به في الحادي والعشرين من شهر فبراير من كل عام.

إحصاءات المنظمة الدولية تقول إن لغة واحدة من اللغات الأم التي تتحدث بها شعوب العالم تختفي كل سنتين، ومن بين ستة آلاف لغة تمثل عدد لغات الأرض هناك ثلاثة آلاف لغة مهددة بالانقراض، أي أن ما يعادل نصف لغات كوكب الأرض سيختفي، حيث يعتبر العلماء أن اللغة تدخل مرحلة الخطر حين يتوقف أكثر من ثلاثين في المائة من أبناء الجماعة الناطقة بها عن تعلمها.

ربما يبدو الحديث عن اللغة العربية في هذه المناسبة، أو بدون مناسبة، معادا ومكررا وباعثا على الملل لدى البعض، ناهيك عن أنه حديث لا تجد له صدى لدى الكثيرين، خاصة أولئك الذين بيدهم بعض الحلول لإنقاذ لغتنا الأم من التدهور الذي ربما يقودها إلى الانقراض، لاسيما في سوق العمل الذي تتحكم في جزء كبير منه شركات ومؤسسات القطاع الخاص التي تهمش اللغة العربية أو تلغيها تماما، وقد تبعتها في هذا النهج كثير من مؤسسات القطاع الحكومي.

وفي وسائل الإعلام التي هي انعكاس لما يحدث على أرض الواقع، وفي مؤسسات التعليم التي من المفترض أن تكون صمام الأمان عندما نفقد السيطرة على المنافذ الأخرى التي يأتي منها الخطر على لغتنا العربية التي تحل في المرتبة السادسة بين اللغات الأكثر تداولا في العالم، وتأتي في المرتبة الثامنة عشرة بين اللغات الخمسين الأكثر بروزا في الترجمة حسب الإحصاءات.

حول وثيقة منهج اللغة العربية التي ناقشها الاجتماع السادس للجنة تطوير المناهج الوطنية أوضحت مديرة إدارة المناهج بوزارة التربية والتعليم أنه تم استطلاع آراء معلمي المادة لإجراء تعديل شامل في محوري المعارف الأدبية والمفاهيم اللغوية، وتعديلات طفيفة في محور المهارات اللغوية، منوهة بالمحاور الجديدة في مادة القراءة، والتي تشمل النصوص السردية من شعر ونثر، والنصوص المعلوماتية والكتابة والمحادثة والاستماع والنحو والإملاء والخط.

منهج اللغة العربية في مدارسنا هو القاعدة التي يجب أن ننطلق منها لدرء الخطر عن لغتنا الأم إذا أردنا لهذه اللغة أن تبتعد عن دائرة اللغات المهددة بالانقراض، ومثلما تم استطلاع آراء معلمي المادة فمن المهم جدا أن يتم استطلاع آراء الطلبة كي تكتمل الصورة، باعتبار أن الطلبة هم المستهدفون من العملية التعليمية، وفي اعتقادنا أن بعض ما يدرس في منهج اللغة العربية لا يتوافق مع طبيعة العصر.

ولا مع العقلية التي تُشَكَّل بها شخصية الطالب من خلال بقية المناهج، وربما كانت على درجة من التخصص لا تتناسب مع المرحلة العمرية والدراسية للطالب، فتدريس علم «العروض» أو «لامية» عبيد بن الأبرص عن «الطلل والرحلة» لطلبة الصف العاشر على سبيل المثال تنفِّر الطلاب من منهج اللغة العربية، حتى أن بعضهم يتساءل عن جدوى دراسة مثل هذه المواد التي لا تجد لها رواجا في سوق العمل، خاصة ونحن نوجه أبناءنا للتخصصات المطلوبة في السوق حتى لا يجدوا أنفسهم في طوابير الانتظار يتحينون فرصة عمل لا تأتي إلا لأولئك الذين اختاروا دراسة تخصصات لا علاقة لها ببحر «الوافر» ولا بــ «لامية» عبيد بن الأبرص.

مناهج اللغة العربية لدينا لا تلبي للأسف الحاجة إلى غرس حب لغتنا الأم في نفوس أبنائها الذين يجدون الوسط المحيط بهم طاردا لهذه اللغة وغير مغر بتعلمها، لتجد نفسك حائرا أمام ابنك الذي يسألك عن جدوى الوقت الذي يقضيه في تعلم لغة لن يستخدمها في تعليمه العالي بعد ذلك، ولا في محيط العمل الذي يسعى أن يجد لنفسه موقع قدم فيه بعد كل السنوات التي يقضيها على كرسي الدراسة.

نحن لا نختلف على أنه ليس بالضرورة أن يكون كل ما يدرسه الطالب في هذه المرحلة من العمر مرتبطا بسوق العمل، لأن ثمة أشياء كثيرة في الحياة لا علاقة لها بهذا السوق لكنها ضرورية لبناء شخصية الإنسان وتكوين ثقافته، من أهمها اللغة الأم وآدابها.

ولذلك فمن المهم أن تكون الوسيلة إلى ذلك سهلة تحبب إلى الطالب هذه اللغة التي هي وعاء تاريخه وثقافته والعامل الأول في المحافظة على هويته، لأن هؤلاء الطلبة هم جيل المستقبل الذين سيُكتَب لهذه اللغة أن تعيش على أيديهم، أو تلحق بلغة «الاينو» التي لم يعد يتحدثها سوى ثمانية أشخاص فقط في جزيرة «هوكاريو» اليابانية قبل أكثر من ربع قرن.

وما يقال عن منهج اللغة العربية ينطبق أيضا على منهج التربية الإسلامية التي يتم إجراء عملية تنقيح شاملة لكتبها تمهيدا لإعادة طباعتها بناء على التغذية الراجعة من المجتمع وملاحظات الموجهين والمعلمين والميدان كما جاء في الخبر، فبعض الدروس والمصطلحات الفقهية الموجودة في هذه الكتب لا تتناسب مع عقلية الطلبة ولا تصلح لهذه المرحلة السنية والدراسية لأنها على درجة من التخصص تناسب طلبة كليات الشريعة وأصول الدين لا طلبة المدارس الخاصة والحكومية التي تعيد الوزارة تشكيلها وتعمل على تحويلها إلى نمط المدارس الخاصة، وربما من هذا المنطلق أتت خطوة ترجمة كتب التربية الإسلامية جميعها إلى اللغة الإنجليزية ووضعها على الانترنت لإتاحة هذا المنهج المطور أمام جميع الطلاب في الدولة باللغتين العربية والإنجليزية.

نحن نكن كل الاحترام والتقدير للجنة التخصصية لمراجعة اللغة العربية وللجنة التأليف اللتين نعتقد جازمين أن أعضاءهما لا يقلون عنا حبا للغة العربية وحرصا على غرس هذا الحب في نفوس أبنائها، لكننا نقول هذا من منطلق ملامستنا لاستيعاب الطلاب لمواد هاتين المادتين، ومن باب التذكير والحرص، كي ينشأ هؤلاء الصغار محبين للغتهم الأم التي تعاني من عقوق الكبار وهجرهم لها في زمن اهتمام الشعوب بلغاتها الأم واحتفائها بها.

كاتب إماراتي

aliobaid4000@yahoo.com