لسنا بحاجة لتذكير أحد بحقيقة أنه ليس هناك خطر أكبر يتهدد مستقبل الديمقراطية من التعاطي المنفلت من الضوابط وروح المسؤولية وكذا الاندفاعات التي يغيب فيها العقل لتحل محله الانفعالات والرؤى القاصرة ، باعتبار أن الديمقراطية سلاح ذو حدين:
فهي نافعة وبناءة إذا ما تم توظيف أدواتها وقنواتها وتوجهاتها بطريقة سليمة وموضوعية وعقلانية ، وعلى العكس من ذلك فإن الديمقراطية يمكن أن تتحول إلى أداة هدم وتدمير إذا ما تم استغلال مناخاتها في تهييج المشاعر وإثارة الأزمات وإحداث الفرقعات المؤدية إلى تسميم الحياة السياسية وعرقلة مسارات التنمية والبناء والنهوض الاقتصادي.
وإدراكا من القوى السياسية والحزبية على الساحة الوطنية لتلك الحقيقة ، فقد سارعت إلى احتواء الأزمة الناشبة بين المؤتمر الشعبي العام وأحزاب (اللقاء المشترك) والناتجة عن تشبث كل طرف برؤيته ومواقفه تجاه مسألة الانتخابات البرلمانية واتجهت إلى التوافق في ما بينها على مجموعة من المحددات والإصلاحات الدستورية والقانونية والتي رأى فيها الجميع بأنها ستسهم في تطوير العملية الديمقراطية ومجريات ممارستها على أسس صحيحة.
ومع التسليم بأن ضرورات المصلحة الوطنية قد اقتضت من تلك المصفوفة الحزبية الاتفاق في ما بينها على تأجيل الانتخابات والسير معا في طريق الحوار حول الإصلاحات المطروحة من قبل فخامة الأخ الرئيس علي عبدالله صالح ، فإن الأمانة تقتضي مكاشفة تلك الأحزاب من أنها صارت على المحك ولا بد لها أن تدرك أنها ستكون خلال العامين المحددين لفترة التأجيل تحت رقابة الشعب الذي يريد منها أن تعمل بكل جدية أثناء هذه المدة في إرساء منهجية جديدة للعمل السياسي والوطني بعيدا عن أساليب المناكفة والمكايدة الظاهرة منها أو المستترة وكذا اعتماد الحوار الهادئ والمسؤول لإثراء الإصلاحات الدستورية والقانونية وإزالة رواسب الحملات الإعلامية المتبادلة طوال الفترة الماضية ، ولما من شأنه بدء مرحلة جديدة يكون فيها التركيز على الرقي بالوطن وإنجاز تطلعات أبنائه في التنمية والاقتصاد والاستثمار والاستقرار المعيشي والاجتماعي.
ومعنى ذلك أن الجميع مطالبون بإعادة الاعتبار للعمل الحزبي والسياسي وإزالة الشوائب التي علقت به وذلك من خلال توفير المناخ الصحي الذي يفتح أمام الوطن مجالا أرحب من التطور والنماء والتقدم تحت مظلة الديمقراطية والمشاركة الشعبية الفاعلة والواسعة ومن هذا المدخل يمكن لتلك الأحزاب تقديم البرهان الأكيد على أنها مع الوطن وما يحقق مصلحته العليا.
وبوضوح شديد فإن أي تنازل من هذا الطرف أو ذاك يجب أن يفهم أنه تنازل لمصلحة أشمل وأعمق هي مصلحة اليمن ، ونعتقد أنه وبعد ذلك الاتفاق الذي جرى بين المؤتمر الشعبي العام وأحزاب (اللقاء المشترك) ، فقد صارت الكرة الآن في ملعبها وعليها أن تتحرك وفق ما يمليه الضمير الوطني وموجبات المسؤولية تجاه مجتمعها الذي يأمل منها تعاملا رصينا مع استحقاقات المرحلة المقبلة ، ومن ذلك الاضطلاع بدورها في تجذير الثقافة الوطنية وقيم الولاء والانتماء لدى الشباب وتحفيز هذا القطاع على المبادرات الإبداعية والإنتاجية وبما يسمح الانطلاق بمقدرات الوطن كله صوب المستقبل الأرغد.
إن اليمن تتسع لنا جميعا وعلينا أن نقوم بواجباتنا نحو هذا الوطن ، باعتبار أن الوطنية ليست لافتة نرفعها أو شعارا نردده ، بل هي سلوك وتضحية وإيثار والتزام تعبر عنه الأفعال قبل الأقوال، وقد حان الوقت بالفعل لكي نفتح صفحة جديدة تكون فيها الغلبة للعام على الخاص والجمعي على الذاتي ومصلحة الوطن فوق أية مصلحة أو اعتبارات أخرى.
