أثار تعيين كل من كريستوفر هيل سفيراً للولايات المتحدة في العراق ودينيس روس مستشاراً خاصاً لوزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلنتون لمنطقة الخليج وجنوب غرب آسيا العديد من التكهنات حول المنظور الأميركي الجديد لأمن منطقة الخليج العربي.

ولعل أهم ما في هذه التعيينات من مؤشرات هو أن الولايات المتحدة بدأت تؤمن بأن المنطقة الخليجية بحاجة إلى اهتمام أميركي متزايد وبأن الملف النووي الإيراني هو المحرك الأساسي للنظرة الأميركية الجديدة في عهد الرئيس باراك أوباما تجاه أمن المنطقة الخليجية.

قراءتنا لتعيين كل من كريستوفر هيل ودينيس روس تأتي في إطار الاهتمام الأميركي بالبرنامج النووي الإيراني بالدرجة الأساسية باعتباره العنوان الرئيسي في تحرك الإدارة الأميركية نحو إجراء مثل هذه التعيينات.

كريستوفر هيل دبلوماسي أميركي مخضرم واشتهر أسمه عندما تولى منذ عام 2005 مسؤولية كبير المفاوضين الأميركيين في موضوع الملف النووي الكوري الشمالي.

هيل شخصية مشهورة في شرق آسيا بالذات، ويقول عنه المتابعون له بأنه دبلوماسي يتمتع بصفات تفاوضية عالية تؤهله للتفاوض في العديد من القضايا لاسيما تلك المتعلقة بالنزاعات السياسية حيث كان له دور في التوصل إلى اتفاق السلام حول البوسنة كما كان له دور في إحياء الدور الأميركي في الملف النووي الكوري الشمالي وكان له دور أيضاً في ابتعاد نيوزيلندا عن تطوير القدرة العسكرية النووية. وبالتالي فإن تعيينه سفيراً في العراق لابد وأن يكون له صلة مباشرة بخبرته هذه التي يتمتع بها في مجال التفاوض النووي.

الولايات المتحدة تدرك بأن الملف النووي الإيراني هو العقبة الأساسية التي يمكن أن تقف في تطور العلاقة مع إيران وأن أمن المنطقة الخليجية مرتبط ارتباطاً مباشراً بما سيئول إليه الوضع حول هذا الملف.

لذلك فإن تعيين كريستوفر هيل سفيراً للولايات المتحدة في العراق إنما يصب في هذا التوجه القائم على ضرورة التعامل مع إيران وملفها النووي. كريستوفر هيل لا خبرة دبلوماسية له في منطقة الشرق الأوسط وبالتالي لا يمكن أن يُربط تعيينه بمستقبل العراق السياسي، وإنما خبرته في مجال التفاوض النووي هي التي أوصلته إلى منصب السفير في العراق حيث أن الولايات المتحدة كما يبدو تريد استثمار قدرته التفاوضية في مجال الطاقة النووية للتعامل مع الملف النووي الإيراني أكثر من أي شئ أخر.

الإدارة الأميركية تدرك بأنه ونتيجة لحالة العزلة السياسية القائمة بينها وبين طهران فإنه يصعب عليها أن تقيم حوارا مباشرا سوى في العراق حيث أن الولايات المتحدة وإيران أكثر قرباً من أي مكان أخر في الجلوس مع بعضهما البعض وسبق لهما أن فعلا ذلك. فالعراق هو ساحة التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران حول الملف النووي الإيراني وأن كريستوفر هيل هو أكثر الأميركيين ـ وفقاً للنظرة الأميركية ـ قدرة على التفاوض في هذا الملف، لذلك جاء تعيينه سفير الولايات المتحدة للعراق.

أما عن دينيس روس فهو شخصية دبلوماسية معروفة في منطقة الشرق الأوسط وهو خبير في شؤون المنطقة وسبق له أن عمل كمفاوض أميركي في عهد الرئيس الأميركي جورج بوش الأب والرئيس الأميركي بيل كلينتون حول قضية الشرق الأوسط المركزية. فهو ليس غريباً عن المنطقة ولكن الغريب هو أن يعين دينيس روس مستشاراً لوزيرة الخارجية حول شؤون الخليج العربي ومنطقة جنوب غرب آسيا بدلاً من توليه ملف القضية الفلسطينية التي يعتبر روس متخصصاً فيها.

وهنا يمكن لنا أن نقرأ علاقة واضحة بين تعيين دينيس روس وبين الملف النووي الإيراني وعامل طمأنة الجانب الإسرائيلي. فالمعروف عن دينيس روس أنه شخص براجماتي وسبق له أن انتقد كثيراُ سياسة الرئيس جورج بوش الابن في التعامل مع الملف النووي الإيراني فهو من أصحاب فكرة مواجهة البرنامج النووي الإيراني عن طريق فلسفة الجزرة والعصا فالمفاوضات مع إيران والضغط عليها وعلى دول رئيسية كروسيا والإتحاد الأوروبي والصين لوقف تعاونها مع إيران وتقديم عروض سياسية واقتصادية وأمنية لإيران هي الإستراتيجية الأبرز التي يؤمن بها دينيس روس في التعامل مع الملف النووي الإيراني.

وهذه الإستراتيجية بالطبع تتماشى مع إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، لكن أيضاً يجب أن لا نغفل أن تعيين دينيس روس في هذا المنصب له علاقة بإسرائيل حيث أن دينيس روس يعتبر كما ذكر كل من جون ميريشايمير وستيفن والتز في كتابهما المشهور حول اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة بان دينيس روس يعتبر جزءا من اللوبي الإسرائيلي.

فتعيينه مستشاراً لشؤون الخليج هو إشارة طمأنة لإسرائيل من قبل الإدارة الأميركية ولاسيما من قبل وزارة الخارجية بأن الولايات المتحدة ستضع الملف النووي الإيراني نصب عينيها في الفترة المقبلة وأن توجهها لن يأتي على حساب إسرائيل بل سيتماشى مع التوجه الإسرائيلي لاسيما بعد تعيينها لجورج ميتشل الغير صهيوني لتولي ملف القضية الفلسطينية.

فتعيين كل من كريستوفر هيل ودينيس روس لمسؤوليات في منطقة الخليج إنما يصب في خانة الاهتمام الأميركي بضرورة التعامل مع الملف النووي الإيراني من منظور جديد لا يعتمد على التهديد والوعيد بل على السياسية وضرورة الانخراط.

جامعة الإمارات

binhuwaidin@hotmail.com