هذه أفعال تتكرر في سلوك وكتابات العديد من وسائل الإعلام ومواقف السياسيين، ولا تخلو صفحة في جريدة، أيام الأزمات، وما أكثرها، من إدانة واستنكار واحتجاج وشجب وتنديد بحالة أو وضع أو موقف .

وهذه الأفعال يمكن أن تصنّف في خانة (الأفعال الخاملة ) ، أو (الأفعال الذرائعية) التي لا قيمة لها ولا صدقية ولا فائدة، ولدينا منها، نحن العرب، ما يملأ خزانة من الأوراق من الاستنكار والاحتجاج والشجب والتنديد بأصناف من العدوان، فما أكثر ما احتججنا واستنكرنا وأبدينا قلقاً، بلا أدنى جدوى، ولا أية نتيجة؛ وكانت قبلنا الصين في احتجاجاتها التي بلغت العشرات في الخمسينات والستينات من القرن العشرين، بحيث كانت ترقّم احتجاجاتها، وكلها في المعنى نفسه، فلا تحتاج إلى تحريره بل تكتفي بترقيمه، وذهب كلها هباء.

ونحن، من جانبنا، كثيرو الولع بهذه الأفعال الخاملة، رغم علمنا بفراغ محتواها وقلة أهميتها، ولكننا نستعين بها كحالة من ( براءة الذمة) ، أو ذريعة للتنصّل من الواجب والمسؤولية .

فمنذ ستين عاما ونحن نَدين ونحتج ونستنكر، وسنستمر، وتستمر هذه الأفعال الخاملة دون أن تنتج شيئا يُذكر؛ فطالما احتججنا واحتجّت معنا دول ومنظمات عالمية على ما يجري من انتهاك لحقوق الإنسان وهدر لمقومات الأمم، وتاريخهم وثقافاتهم، دون أن تُفلح في تصحيح مسار هذه الأفعال الفقيرة، وتخرجها من القاموس إلى الواقع.

ولعل كوارث غزة استقطبت العديد من هذه (الأفعال الذرائعية) ما لم يستقطبه غيرها، وكنا في صدارة هذه المعمعة التي لم تنتج أية نتيجة، ولم ينتج احتجاجنا واستنكارنا وإبداء قلقنا أية قيمة، فما زالت غزة، ومأساة فلسطين تتواصل منذ عقود رغم الاحتجاج والاستنكار، ورغم اصطفاف العديد من ذوي النيّة الطيبة والتضامن الاجتماعي من مختلف الدول والأطراف، ووقوفهم معنا في محنتنا، دون إعطاء هذه (الأفعال الخاملة) بريقا ينقلها إلى الواقع، ويمنحها الفاعلية لكي تخرج من القاموس، وتتفاعل مع الحياة . ولكن هذه الأفعال الخاملة ذات فاعلية سياسية في تبرير الخذلان والانكفاء والتمزّق، حين تكون وسيلة للهروب من المسؤوليات، والاختفاء وراء هذه الأفعال التي تخجل منها اللغة .

ماذا جنينا من الإدانات والاحتجاجات والاستنكارات على مدى ستين عاماً، ابتداء من محنة فلسطين إلى اليوم غير تكديس هذه الأفعال بفجاجتها وفراغها الذي أفرغ تطلعاتنا من أية نيّة للوصول إلى الحقيقة.

نحتج على تزوير الانتخابات، ونستنكر تدخّل الدول في شؤون بعضها، ونَدين أعمال العنف والقرصنة والعدوان على حقوق الناس، والإبادات الجماعية، وسرقة حقوق الشعب في اختيار من يمثله في المحافل القانونية، والاستئثار بالمناصب السيادية، وتوريثها لمن لا يستحقها وفق القانون والوسائل الدستورية؛ ومع ذلك فالأمور جارية على أحسن ما يُرام، ولتذهب هذه الأفعال الخاملة إلى قواميس اللغة التي لا تعيد حقا مسلوباً، ولا تُصغي لنداء الضمير، ولا تأبه بحاجة الناس وجوعهم إلى الحرية والرغيف والعدالة .

يقولون إن الجهة الفلانية ( تبدي قلقا ) من تجاوز بعضها على حقوق الأمّة والاستئثار بما لديها من مواقع سيادية ومحاولة استثمارها في الجولات الانتخابية، جديّة كانت أو غير جديّة، ولكن ما معنى هذا (القلق) وما الجدوى منه سنبدي قلقنا مع الناس، وسنحتج ونستنكر ونَدين، ونعيد ونكرر، ونحن ندري والبرايا تدري أن لا جدوى من كل ذلك ما دامت مفاتيح الأمور بأيدي أوليائنا الذين لم نولّهم شيئا من أمورنا، ولكنهم سلبوها منا، وهم يورثونها أهليهم ومحبيهم ومريديهم، باستخدام متقن للأفعال الخاملة المخادعة .

واليوم، وفي أثناء كتابة هذه الحروف، جاءتنا أخبار عن إساءة إسرائيلية جديدة لشخص الرسول الكريم، كما أساءت قبل أيام للسيد المسيح، وهذه مناسبة جديدة للانطلاق في حملة واسعة للاستنكار والاحتجاج والإدانة والشجب والتنديد، إلى آخر قاموس الأفعال الخاملة، دون أن نرى أو نسمع ما يوحي بأن موقفا حازما يتصدّى لهذا العدوان الذي يطعننا في الصميم .

إلى متى !

كاتب عراقي

mohammed_saggar@yahoo.fr