كان اليوم يوافق ذكرى واحد من أعظم الأحداث في تاريخنا الحديث.. حين قامت دولة الوحدة بين مصر وسوريا قبل واحد وخمسين عاماً. وجاء «الاحتفال!!» بالذكري هذا العام في صمت يليق بأمة قررت أن تتوب عن الأحلام الكبرى ومحاولة تحقيقها، ويتناسب مع واقع يشعر فيه كل قطر عربي بأنه ليس بعيداً عن الخطر، ولا يريد ـ في نفس الوقت ـ أن يصل إلى النتيجة الطبيعية التي سبق أن وصلنا إليها قبل نصف قرن، وهي أنه لا أمن ولا استقرار ولا تقدم إلا في ظل شراكة عربية حقيقة!!
في المساء انقطع الصمت في القاهرة حين أطل الوجه البشع للإرهاب ليضرب في حي الحسين. ورغم محدودية الحادث فإن خطورته جاءت من التوقيت الذي تم فيه ومن الظروف التي تمر بها مصر والمنطقة. فالحادث يضرب السياحة التي تعاني أصلاً من ظروف الأزمة المالية العالمية، ويضيف أعباء على الاقتصاد المصري الذي يواجه ضغوطاً شديدة بسبب تراجع العائدات من المصادر الأساسية لإيرادات الدولة: البترول، والسياحة، ورسوم قناة السويس، وتحويلات المصريين العاملين في الخارج.
والحادث يقع وسط ظروف عربية وإقليمية بالغة الدقة. فبعد حرب غزة وما رافقها من انقسام عربي، ها هو اليمين الإسرائيلي يقبض على السلطة في الكيان الصهيوني ويغلق الحديث عن التسوية السياسية التي تحاول إدارة الرئيس الأميركي أوباما إحياءها، وربما من باب المصادفة أن يوم 22 فبراير كان هو اليوم المحدد لاستئناف محادثات المصالحة بين فتح وحماس وباقي الفصائل الفلسطينية في القاهرة، قبل أن يتأخر الموعد لأربعة أيام، لينطلق الخميس الماضي.
وسط آمال بأن يكون الجميع قد استوعبوا الدرس وأدركوا حجم الخطر الذي تتعرض له القضية الفلسطينية والوضع العربي كله إذا استمر الانقسام وضاعت القضية وسط صراع على سلطة وهمية ينتهي بمقاومة تحت الحصار وتفاوض عبثي لان من يتفاوض ألقى السلاح مقدماً.. ومجاناً !!
على الجانب الآخر لا يبدو الوضع في الجنوب أفضل حالاً، فالسودان سائر إلى المجهول، وقرار إحالة الرئيس البشير إلى المحاكمة الدولية أصبح أمراً واقعاً فيما يبدو، وانفصال الجنوب لم يعد وحده هو الخطر، بل تحول السودان إلى شظايا وفقاً للصراعات الدولية الكبيرة على ساحته. ومصر ـ شاءت أم أبت ـ هي في قلب هذا الصراع، كما في قلب القضية الفلسطينية وأكثر.
لا أتحدث هنا بالطبع عن حادث الحسين بآثاره المحدودة، ولكن بالظروف التي تم فيها، وبالرسائل التي قد يكون مطلوبا إرسالها من هذا الحادث. ومن هنا كانت الإدانة الكاملة من كل القوى السياسية في الداخل على اختلاف رؤاها. ومن هنا أيضا كانت الإدانة العربية شاملة، خاصة أن الحادث يجيء وسط جهود تبذل للمصالحة العربية..
وقد كان لافتاً إعلان سوريا إدانتها الكاملة للتفجير الإرهابي «ووقوفها إلى جانب شعب مصر وحكومتها في مواجهة هذه الأعمال الإجرامية».. لقد توقف المراقبون عند هذه الإدانة السورية باعتبارها علامة انفراج بين دمشق والقاهرة بعد طول جفاء وعلاقات متوترة واتهامات متبادلة.
بالطبع يسعد الإنسان بكل خطوة على طريق التضامن مهما كانت صغيرة ـ لكن ـ وليعذرني القارئ ـ كان هناك أيضا شعور بالأسى على ما وصلنا إليه.. ألهذا الحد بعدنا عن الطريق الذي فتحناه معاً قبل نصف قرن؟! وما هي النتيجة حولنا في ظل حالة الانقسام العربي؟! أليس تبديد الجهد وضياع الطاقة وهذا المشهد الذي يحاصرنا وكل قطر عربي أمنه مهدد، ومستقبل المنطقة يتقرر بعيداً عنا، والصراع عليها يدور بين القوى من العالمية وبين القوى الإقليمية غير العربية.
وبعيداً عن التفاصيل التي قد تتغير وتتبدل، أليس هذا هو جوهر المعركة منذ ستين عاما؟ ألم تقم دولة الوحدة بين مصر وسوريا بقيادة جمال عبد الناصر قبل أكثر من نصف قرن لتجسد المشروع العربي الرافض للهيمنة الأجنبية، المقاوم للاستعمار، الساعي للتقدم، المؤمن بأن أمن العرب واستقرارهم ونهضتهم تأتي من خلال العمل العربي المشترك، وليس من خلال الأحلاف الأجنبية التي كانت تريد وضع مصير المنطقة في يد القوى الإقليمية غير العربية التي تعمل في خدمة السيد الأجنبي ؟!
.. وليس هذا وقت الحساب أو العتاب، ولكنه وقت الاعتراف بالخطأ الذي شارك فيه الجميع يوم تركوا طريق التضامن العربي الفعال، ووقت الاستعداد لتطورات حاسمة في المنطقة إذا لم نستعد لها فسوف ندفع الثمن وحدنا.
ووقت اليقين بأن العدو الذي يضرب في قلب الحسين بالقاهرة هو العدو الذي يضرب في قلب دمشق ويشعل النار من الجزائر إلى اليمن. وأن ضياع فلسطين ليس بعيداً عن تقسيم السودان، وأنه لا حل إلا في إطار عربي يبني القوة المشتركة القادرة على أن تمد يدها للصديق وترد عدوان المعتدي، وأن تنتهي حالة الغياب التي طالت لتكون رقماً صحيحاً في تقرير مستقبل المنطقة.
واعرف أن جهوداً عربية كبيرة تبذل لإتمام المصالحة بين دمشق والقاهرة ولكنني ـ مرة أخرى ـ أشعر بالأسى.. فما بين الشعبين الشقيقين وما نواجهه من تحديات لا يترك مجالاً لشيء أقل من المشاركة.. وليس مجرد المصالحة.. وبين الاثنتين فارق كبير!!
كاتب صحافي مصري
