زيارات المسؤولين، الأميركيين والأوروبيين، إلى أماكن الخراب والدمار الذي تحدثه آلة الحرب الإسرائيلية؛ تكاد تتحول إلى ما يشبه واجب التعزية. روتين، بين المجاملة ورفع العتب وتهدئة النفوس. وربما إشارة سياسية، على سبيل الترضية. تنفلت العدوانية الإسرائيلية، ضد البشر والحجر. تفتك، تبطش، تساوي العمران بالأرض وتتسبب بحمام دم. يتوفر لها الغطاء الغربي، تحت زعم أن الدولة العبرية تقوم «بالدفاع» عن نفسها! بعد أن ينجلي غبار العدوان وتنكشف بشاعة وهمجية الجريمة، يهرع المواسون إلى الميدان لمعاينة الآثار وأكوام الدمار.

سيناريو يتكرر بعد كل عدوان إسرائيلي. المأخذ أنه يأتي من جانب الأطراف الدولية ذاتها، التي بإمكانها أن تضع حدّاً لسياسة العدوان الإسرائيلية ولا تفعل. لذلك تصبح زياراتها التفقدية، باهتة. في أحسن أحوالها، غير كافية. فلا يستقيم غضّ النظر عن القاتل، قبل وساعة ارتكاب جريمته؛ ثم بعد وقوع الواقعة، المشي في جنازة ضحيته.

بعد أكثر من شهر على مجزرة غزة، بدأت تتوالى الزيارات. أبرزها، بعد حضور الأمين العام للأمم المتحدة إلى القطاع، كانت زيارة رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي، السناتور كيري. شاهد ورأى بأم العين، آثار العربدة الإسرائيلية . ثم جاء رئيس البرلمان الأوروبي. فعل الشيء ذاته.

أمس الأول، جاء وزير خارجية النرويج وأيضاً الممثل الأعلى للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، خافيير سولانا.أعرب كلاهما عن «الصدمة»من مشهد الدمار؛ كما عن «التضامن مع المدنيين»، الفلسطينيين. أعلن سولانا أن الاتحاد يزمع تقديم حوالي نصف مليار دولار، خلال مؤتمر المانحين، غداً في شرم الشيخ؛ لإعادة إعمار غزة.

كما أعرب عن الدعم لجهود المصالحة بين الفصائل الفلسطينية. من الناحية الإنسانية، كل هذه الزيارات وما رافقها من مفردات الأسف والتضامن مع أهل غزة؛ كانت التفاتة جيدة. أيضاً من الناحية السياسية، كان لها «دلالاتها الهامة»؛ التي نوّهت بها الأطراف الفلسطينية في القطاع. لكن مع ذلك، لا تزال اقل بكثير من الموقف المطلوب.

التعاطف، خلا حتى من التلميح بالاستنكار. ناهيك بالإدانة. التضامن، جاء فقط مع الضحايا وليس مع قضيتهم؛ التي تكمن معاناتهم في تغييبها واستباحتها.

تفقّد مسرح الجريمة للتضامن مع المعتدى عليه ومواساته ومساعدته، من شأنه التخفيف من وطأة المصيبة. لكنه يتحوّل إلى تمرين لتطييب الخواطر، عندما يحصل، تكراراً، كردة فعل على العدوان الإسرائيلي. وكأنه عملية مراضاة وتكفير عن ذنب.

لقد حان وقت التضامن مع الفلسطينيين قبل وقوع الفأس على رؤوسهم. وحده إجبار إسرائيل على القبول بالسلام المعقول، هو المدخل لمثل هذا الوضع.