كم هم أولئك الذين كلما أتعبتهم ارتحالات الحياة جلسوا على ساحل البحر ورنوا بأبصارهم نحو الأفق السحيق، وأرخوا أسماعهم لمعزوفة ارتطام الموج، فيطلقون خيول أخيلتهم ليجدوا في هذه الرقصة التعبيرية الأبدية حكاية الأب الحنون وهو يغسل بأمواجه وجه الشاطئ الذي يأتيه شاكيا كلما لوثته أقدام البشر وأفاعيلهم. بل كم هم أولئك الذين يشاهدون في هذه الكتلة الهائلة من الماء المالح الذي يغطي ثلثي الكوكب الأزرق عالما آخر من عوالم الطبيعة المائج بأشكال الحياة وأسرارها وعجائبها، أو يرون فيه ميزانا يكمن فيه سر بقاء اليابسة وحيويتها؟

وكم هم أولئك الذين ينظرون إليه كمورد اقتصادي غني بالثروات وفرص العمل والاستثمار وكمصدر لتوليد الطاقة والماء العذب، وكشريان حيوي للنقل والتجارة ؟؛ ثم كم هم أولئك الذين لا يرون في هذا الجزء المذهل من الدنيا إلا مكانا للهو والترفيه وقتل الأوقات؟.

إنها مسألة تذوق، وكلما تمكن الإنسان من أدواته التذوقية في الترجيح القِيَمي والسلوكي والجمالي بين الجيد والسيئ والنافع والضار والجميل والقبيح، كلما أمكنه التمييز بين الاختيارات والبدائل بتعقل وحكمة؛ ولأن هذه الأدوات التذوقية كانت فاسدة أو كانت موازينها مختلة عند إبليس، فقد ارتكب أشنع خطأ عند أبسط اختبار: «قال أنا خير منه، خلقتني من نار وخلقته من طين» (الآية 76، سورة ص)،

ولو كان عنده شيء من الذوق لأدرك أن خيرية الطين أكبر من خيرية النار، وأن خيرية التواضع أكبر من خيرية الغرور، وأن خيرية الحكمة أكبر من خيرية الطيش. وعندما قرر الشيطان الانتقام لنفسه، قام بتوظيف نفس الأدوات الفاسدة، وتمويه معالم الطريق أمام آدم عليه السلام وذريته، فدفعه غروره إلى التصريح معترفا بأن خطيئته ستكون سلاحه: «قال رب بما أغويتني، لأزيننّ لهم في الأرض ولأغوينّهم أجمعين» (الآية 39، سورة الحِجر).

وواضح أن هذا التزيين وهذه الغواية هما أساليب لخداع الذوق، وأنهما لا يغيران حقائق الأشياء، فالقبيح لا يصبح جميلا والحرام لا يصبح حلالا والخطيئة لا تصبح حسنة، ولكنهما يربكان المقاييس الذوقية أو يعطلانها فيصبح ذوق الإنسان فاسدا، لا يرى في القبيح الغالب من قبحه، بل يرى الطارئ من جماليته، وهذا هو نفس الاختلال الذوقي الذي جعل إبليس يرى النار أكثر خيرية من الطين.

ومنذ ذلك الحين كانت سقطات البشر وعثراتهم وانحرافاتهم عن المنهج الإلهي واعوجاجاتهم التي جرّت عليهم المآسي والأزمات والمآزق، إنما هي بفعل هذا الخلل الذي يطرأ من حين لآخر على مهارتهم الذوقية؛ فآدم عليه السلام نفسه ارتكب أول خطيئة بسبب تأثر مهارته التذوقية بالغواية الإبليسية، وإلا فكيف لشجرة دنيوية مؤقتة الوجود ومحرّمة بأشد ألفاظ التحذير الإلهي: «.. ولا تقْربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين» (الآية 35، سورة البقرة).

أن تختزن سر الخلود الأبدي والمُلك المديد، ولا تكون سائر الأشجار الأخروية الدائمة الوجود والمباحة كذلك؟؛ وفي نفس هذا المستنقع الذوقي الفاسد كان بنو إسرائيل يتخبطون وهم يسألون الله جل جلاله طعاما آخر مع أنه أعطاهم ما هو خير منه، فنعى الله عليهم هذا الذوق الرديء: «.. قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير..» (الآية 61، سورة البقرة)؛ وهكذا استمر البشر في ارتكاب الأخطاء تلو الأخطاء، والأخطاء بطبيعتها لا تجتلب إلا المصائب والنكبات.

هذا الفساد الذوقي أصبح عند الشعوب المتخلفة لازمة من لوازم الإصرار على الالتصاق «بالدونية»، ومرادفا لحالة ظلم النفس والانحطاط الحضاري، وإن لم يكن حتى العالم المتقدم في منأى من هذا الفساد الذوقي في العديد من ممارساته، لأن فشل الذائقة في تقييم الاهتمامات أو استسلامها للأهواء والشهوات هو المسؤول عن توجيهها إلى الخيارات والاهتمامات المتهافتة أو المفلسة من العوائد أو المنافع أو المكاسب.

سأضرب على ذلك مثالين فقط من مناحي الحياة، فالفن مثلا وبوجوهه المختلفة لاسيما الأفلام السينمائية والمسلسلات المتلفزة والمسرحيات والأغاني، يقدم في العالم الثالث «أعمالا» في منتهى الرداءة وفراغ المضامين وهزال البناء الفني والإفلاس من أدنى إبداع أو ابتكار، يصاحب هذه المثالب تخمة في الركاكة والتقليد أو السرقة الأدبية إلى درجة المشابهة والترويج للانحلال والجريمة والسلوكيات المنحرفة.

وفوق ذلك هي أعمال بلا رسالة ولا جدوى مادية ولا معنوية ولا صورة حضارية مميزة يمكن تسويقها في العالم الثاني أو الأول؛ وهذا المستوى الهابط يتصدى له خواء ذوقي يجسده إقبال شعوب هذا العالم المثير للشفقة على متابعة هذه الأعمال لدرجة الحرص، حتى أن صحفه وبرامجه المتلفزة تتغنى بذلك الإفلاس، بل تمجد تلك الشخصيات الرخيصة وتعتبرها نجوما وأبطالا وأباطرة وربما آلهة.

ثم تأتي الرياضة كوجه آخر من وجوه الفساد الذوقي، فمع تدني المستوى المهاري والإفلاس من الإنجازات وانتشار الفساد الأخلاقي، واقتطاع جزء لا يستهان به من الثروة ليذهب هدرا في مقابل ضآلة العائد الاجتماعي والاقتصادي، فإن هذه الرياضة تستأثر بنصيب ملحوظ في موازنات الدول المتخلفة هي أحوج ما تكون إليه في قطاعات أخرى كالتعليم والخدمات الصحية والتطوير.

ولكن المؤسف لا ينتهي عند هذا الحد فقط، بل يتجاوزه إلى ذلك الحشد المادي والإعلامي والجماهيري من الأموال والأوقات والجهود التي تؤازر هذا الانحراف الذوقي، ولو كانت المهارات الذوقية تعمل بعُشر كفاءتها لأقفرت ميادين الرياضة وصالاتها من الجماهير ومن اللاعبين بل ومن الأجهزة الفنية.

هناك طبعا ما هو أعمق، فالفساد الذوقي لا يتوقف عند عتبات الفن والرياضة وإن كان أوضح ظهورا، بل هناك فساد في الذوق الإيديولوجي عند الذين يعتنقون المذاهب المحتضرة كالشيوعية والماركسية والليبرالية، وكلها مذاهب بهتت ألوانها حتى في معاقلها، لدرجة أن العالم يتخبط اليوم بين خليط من كل هذه الأشياء؛ وهناك أيضا فساد في الذوق الثقافي عند من لم تستطع أذواقهم الفاسدة التمييز بين إمكانات وقدرات اللغة العربية الخارقة وبين محدودية اللغات الأخرى.

فألغوا ذاكرتهم وهويتهم واحتكموا إلى مبدأ الغالبية وإلى تأسيسهم التربوي الأجنبي استسهالا للتقليد، ولو أنهم تلقوا تعليمهم باللغة السواحلية لعملوا على أن تكون السواحلية هي لغة التعليم؛ وهناك فسادات أخرى كثيرة في الأذواق الشخصية والسلوكية فالتبذير مثلا انعكاس لذائقة اقتصادية مختلة، والمحسوبية انعكاس لانحراف الذوق القيادي، وكثير من العادات الاجتماعية الدخيلة هي الأخرى تعبير عن ذائقة مضطربة وحائرة في الهوية.

صحيح أن الذوق ليس كل شيء، فهناك عناصر تقييمية ومبادئ وأصول أخرى تبنى عليها عملية التقييم وتحديد الاختيار، ولكن يبقى الذوق هو اللمسة الأخيرة التي تعتني بالعناصر الجمالية لتلك الأشياء، وفاعليته في أن الإحساس الذوقي شديد السلاسة إلى حد عدم الإحساس به، إلا أن تأثيره عارم بحيث يمكنه اختراق جدار أي قناعة.

وزعزعة قاعدة أي معتقد، وتغيير اتجاه أي موقف أو رأي أو سلوك، ولهذا فإنه عندما يفشل البشر في السيطرة على انجذابهم بغواية الأهواء والشهوات نحو الأشياء الجميلة لأنها جميلة فقط، فهذا مؤشر على أن ميزان المفاضلة بين خيرية النار أو الطين يميل إلى وجهة النظر الإبليسية.