رغم أن أميركا لا تزال قوة عظمى ـ أو القوة الأعظم بين بضع قوى عظمى أخرى ـ إلا أنها دولة أضحت على شفا الإفلاس، هذا هو المغزى النهائي الذي يمكن استخلاصه من السياق الاقتصادي للخطاب الكبير الذي ألقاه الرئيس باراك أوباما أمام أعضاء الكونجرس يوم الثلاثاء، وبالطبع لا يجوز تحميل إدارة أوباما تبعة الانهيار الذي يعصف بالاقتصاد الأميركي.

فالانهيار نشأ عن تراكمات سالبة نتجت بدورها عن سياسة لا مسؤولة للإدارة السابقة برئاسة جورج بوش الابن. ويبقى السؤال الواجب طرحه إذن هو: هل وإلى أي مدى ستتبع إدارة أوباما سياسة بوش خاصة في المجال الخارجي؟

الخطر الأعظم الذي ارتكبته إدارة الرئيس بوش هو عسكرة السياسة الخارجية وما نتج عن ذلك من إنفاق بوتائر متصاعدة على حروب مما شكل العنصر الأساسي في استنزاف الاقتصاد الأميركي. فما الذي يعتزم الرئيس الجديد فعله من أجل تصحيح هذا الخطأ الجسيم بما يؤدي إلى إزالة حالة العسكرة عن نهج السياسة الخارجية الأميركية.

في خطابه شدد الرئيس أوباما على وضع «استراتيجية جديدة» تجاه الوضع العسكري في أفغانستان ـ باكستان. و«الجديد» الذي يتبناه ليس في الحقيقة جديداً. فعوضاً عن وضع حد للحرب في المنطقة الأفغانية الباكستانية فان ما يعتزم أوباما القيام به هو تصعيد الحرب وتوسيع نطاقها.

وهذا ما كان سيفعله سلفه جورج بوش لو امتد أمد رئاسته، وفي عهد الإدارة الحالية كما في عهد الإدارة السابقة يبدو أن هناك قاسماً مشتركاً وهو خضوع كل من الرئيسين لنفوذ عمالقة «المجمع الصناعي العسكري» الذي يعمل في إطاره كبار جنرالات وزارة الدفاع «البنتاغون» لحساب كبرى شركات إنتاج الأسلحة.

على خلفية قراره الصادر الأسبوع الماضي بإرسال قوة عسكرية إضافية إلى ميدان القتال في أفغانستان بمقدار 17 ألف جندي قال الرئيس أوباما في خطابه: «ميزانيتي تزيد عديد جنودنا وقوات مشاة البحرية «المارينز». مثل هذه القرارات الحربية تتناقض رأسياً مع ما أعلنه أوباما في مكان آخر في خطابه من تعهد بخفض العجز الأسطوري ـ 1500 مليار دولار ـ في الميزانية الاتحادية بمقدار النصف.

فالاستمرار في الإنفاق الضخم على الحرب وزيادته أضعافاً مضاعفة مع التصعيد والتوسع سيكون من شأنه مضاعفة عجز الميزانية وليس تقليصه. مع ذلك فهي حرب عبثية يجمع الخبراء الأميركيون أنفسهم على أنه لا تلوح أية مؤشرات في الأفق القريب على نصر أميركي فيها.