قبل أيام احتضنت مدينة دبي مؤتمر الصحافة الأخلاقية الذي نظمته جمعية الصحافيين الإماراتيين بالتعاون مع الاتحاد الدولي للصحافة بهدف الترويج للقيم الأخلاقية في العمل الصحافي والالتزام بها وتجسيدها في الممارسة اليومية لتنمية الديمقراطية والحرية وإعلاء كلمة الحق وتوفير المعلومات اللازمة للرأي العام حتى يلعب دورا فاعلا في المجتمع.
إن تحديد مهام ومسؤولية المؤسسة الإعلامية وتحديد مهام ومسؤولية القائم بالاتصال في ضوء ميثاق شرف شامل وواضح المعالم يعني القضاء على الكثير من الملابسات ومن المناطق الغامضة التي قد تؤدي إلى سوء التفسير والاستخدام.
والمؤسسة الإعلامية في المجتمع مثلها مثل القائم بالاتصال الذي يصنع الرسالة التي تقدم للجمهور يجب أن تكون لديها رسالة نبيلة وأهداف محددة تعمل من أجلها وتدافع عنها لتحقيقها. المؤسسة الإعلامية يجب أن تبذل قصارى جهودها لإبراز الحق وتبيان الباطل.
فإذا كان الهدف النبيل موجودا والنية موجودة والمستلزمات متوفرة (قوانين، تشريعات، نقابات مهنية، مواثيق أخلاقية، مجتمع مدني فعال) وكذلك المناخ الديمقراطي وحرية التعبير والرأي، في هذه الحالة نستطيع الكلام عن مؤسسات إعلامية فاعلة في العالم العربي.
المؤسسة الإعلامية في المجتمع هي مؤسسة اجتماعية بالدرجة الأولى، ومن هنا يجب أن تعي أنها ليست مجرد وسائل لبيع مساحات للإعلانات وتحقيق الربح السريع وأنها ليست وسائل لبث رسائل وبرامج هابطة لضمان أكبر عدد ممكن من إقبال جمهور المراهقين والشباب عليها.
وإنما وأهم من كل هذه الاعتبارات هنالك مجتمع بكامله بمختلف شرائحه وفئاته ينتظر رسالة إعلامية هادفة ومسؤولة هدفها نشر الثقافة والعلم والأصالة والفكر السليم والتحليل البناء الموضوعي وتوفير منبر للنقاش والحوار والجدال من أجل المصلحة العامة ومن أجل بناء قنوات اتصال مباشرة بين شرائح المجتمع المختلفة وبين الحاكم والمحكوم في جو من الشفافية والديمقراطية والمسؤولية الاجتماعية.
الممارسة الإعلامية مهنة نبيلة يجب أن تمارس آخذة بعين الاعتبار كل الأبعاد الأخلاقية والقانونية والتشريعية والمهنية. فالمؤسسة الإعلامية مسؤولة أمام المجتمع وأمام الرأي العام، ومسؤولة مسؤولية أخلاقية كبيرة جدا عندما تضّخم أشياء وتحجب أشياء أخرى، وعندما تركّز على عناصر معينة في الخبر دون غيرها.
وجريمة التضليل والتزييف والمغالطة والكذب أخطر بكثير من أي جريمة أخرى لأن المؤسسة الإعلامية عندما تزّيف أو تضلّل فإنها تكذب على ملايين البشر وليس على شخص واحد، وهنا تكمن أهمية الأخلاق والالتزام والنزاهة التامة في العمل الإعلامي لضمان السوق الحرة للأفكار.
إشكالية مهمة جدا وحساسة تتمثل في ظروف العمل والصعوبات والمشاكل والأخطار المختلفة التي يتعرض لها الصحافي في عملية البحث عن الحقيقة والبحث عن المعلومات وتقديمها للجمهور. ومن خلال التجارب المختلفة للمراسلين والإعلاميين من جميع أنحاء العالم فإن عملية البحث عن الحقيقة والبحث عن الخبر لا تقدم دائما على طبق من ذهب، والإحصائيات تقول ان عشرات الصحافيين يموتون سنويا برصاص وتصفيات واغتيالات الإرهاب والأنظمة الدكتاتورية والمافيا المالية والسياسية سواء في دول الشمال أو الجنوب.
فاشتهرت دول كثيرة بصعوبة ممارسة الإعلام فيها ككولومبيا وبوليفيا والبرازيل والمكسيك وأفغانستان والجزائر والسودان وباكستان وإيران والقائمة طويلة. فحسب تقارير «مراسلون بلا حدود» لقي أكثر من 800 صحافي حتفهم في السنوات العشر الأخيرة، وأن نصف دول العالم لا يحترم حرية الصحافة، أضف إلى ذلك أن العديد من دول العالم يفتقد إلى قوانين تحمي المهنة والمهنيين من جبروت وسلطة المال والسياسة والمافيا بمختلف أنواعها وأشكالها.
في الكثير من دول العالم الثالث لا توجد نقابات للصحافيين ولا مواثيق شرف ولا قوانين تنظم مهنة الصحافة وتنظم العلاقة بين الصحافي ومصدر الخبر. وهكذا يجد القائم بالاتصال نفسه أمام ميادين مملوءة بالألغام والمشاكل والعراقيل، وهدفه في نهاية المطاف هو البحث عن الحقيقة وتقديمها للرأي العام كما هي لا غير.
والمشكلة هنا تكمن في أن قول الحق وتقديم الواقع كما هو للرأي العام لا يعجبان الكثير من الأطراف والجهات في الكثير من الأحيان، وفي أحيان أخرى لا يعجبان السلطة ولا يعجبان أصحاب المال والنفوذ.. الخ. تشير التقارير كذلك أن آلاف الصحافيين عبر العالم تعج بهم السجون والمعتقلات وفي الكثير من الأحيان لا أحد يجرؤ حتى على محادثتهم ولا يسأل عنهم أو يدافع عن قضاياهم، وهذا هو جزاء من يبحث عن الحقيقة وعن الصالح العام.
يظن البعض في العالم العربي، أن مواثيق الشرف وقوانين الطباعة والنشر والإعلام هي مفتاح الإعلام النزيه والهادف والمسؤول والحر والمستقل. لكن، في حقيقة الأمر، هذا مجرد وهم فقط حيث ان الإعلام هو أكثر من أن يكون مواثيق أخلاقية وقوانين نشر، بل هو أسلوب حياة وثقافة وديمقراطية وممارسة يومية تقوم على الرأي والرأي الآخر واحترام الحريات الفردية وحقوق الإنسان وممارسة النقد والنقد الذاتي بكل جرأة وشجاعة وشفافية.
فالإعلام يعكس البيئة التي يعيش فيها. فإذا كان النظام يقر المواثيق الأخلاقية وقوانين الإعلام والنشر، لكن لا يؤمن بالنقد والمساءلة والاستقصاء وبالفصل بين السلطالت وبحرية الصحافة، فالنتيجة هي أن هذه القوانين والمواثيق تبقى مجرد حبر على ورق، فارغة بدون روح ولا فاعلية وهذا هو واقع الإعلام العربي، مع الأسف الشديد، الذي أصبح يتفنن فيه الصحافي في الرقابة الذاتية وفي تجنب قضايا الأمة المصيرية وهموم الشارع والتركيز على التسبيح والتمجيد والتسطيح والتهميش.
