بعد الحرب في القوقاز وهجوم القوات الجورجية المدعومة من أميركا ودول أخرى مثل إسرائيل وغيرها على عاصمة أوسيتيا الجنوبية «تسيخنفالي» والذي أسفر عن مقتل أكثر من ألف شخص من المدنيين الأبرياء وجرح آلاف وتدمير عدة منازل ومبانٍ، وبعد دخول القوات الروسية لدحر المعتدين ومطاردة الجيش الجورجي المعتدي في داخل أراضي جورجيا، أعلن الرئيس الروسي ميدفيديف أن بلاده لن تتسامح مع أية دولة أو جهة تمد جورجيا بالسلاح.

وفي منتصف يناير الماضي عاد ميدفيديف يكرر تهديده هذا بفرض عقوبات اقتصادية على دولة تدعم جورجيا بالسلاح، وكان على ما يبدو يقصد أوكرانيا. نما إلى علم موسكو أن وزير الداخلية الجورجي «شالفا جانشفيلي» تقدم بطلب لشركة تصدير سلاح أوكرانية يطلب منها إمداد جورجيا بأكثر من ستين نوعا من السلاح.

وهذا في حد ذاته أمر عادي بين نظام الرئيس ساكاشفيلي في جورجيا وحليفه الوحيد في المنطقة الرئيس الأوكراني يوشينكو، ولكن المثير في الأمر (حسب ما ورد على موقع «أنباء أوكرانيا» الإلكتروني أن جورجيا تطلب من أوكرانيا أسلحة محرمة دوليا، ومنها مصائد الألغام المضادة للبشر والمركبات والدبابات، هذا النوع من السلاح حرمت اتفاقية الأمم المتحدة عام 1980 استخدامه.

وجاءت اتفاقية عام 1997 لتحرم استخدام الألغام سواء في وقت الحرب أو السلم، وذكر الموقع الإلكتروني «أنباء أوكرانيا» أن الجهات الأوكرانية تخشى وصول معلومات لروسيا حول هذه الصفقات المشبوهة، لهذا تمت الاتفاقات في سرية تامة، حيث وصل مسؤولون جورجيون إلى كييف والتقوا سرا مع مسؤولين أوكرانيين في منزل خاص بأحدهم، وعلى ما يبدو أن الصفقة تم الاتفاق عليها وعلى وشك التسليم.

وهذا يعني أن أوكرانيا تدعم جورجيا بالسلاح المحرم دوليا لتتحرش من جديد بروسيا، وهو الأمر الذي لا يتصور أحد أنه يتم بدون علم وتدبير من واشنطن، خاصة بعد الاتفاق الذي وقعته وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كوندوليزا رايس قبل تركها منصبها في يناير الماضي مع الرئيس الجورجي ساكاشفيلي بشأن التعاون الاستراتيجي بين واشنطن وجورجيا، وهو الاتفاق الذي يعتبر ملزما لإدارة الرئيس أوباما.

أوكرانيا تعاني من أزمة اقتصادية حادة وتطلب رئيسة حكومتها تيموشينكو المساعدة من روسيا لأنها الوحيدة القادرة على المساعدة الآن في ظل الأزمة المالية العالمية، ولكن الرئيس الأوكراني يوشينكو لا تهمه مصالح بلده وشعبه بقدر ما يهمه إرضاء أسياده في واشنطن.

وهو يعلم جيدا أن روسيا لن تسكت وسوف ترد بقوة وسوف تفرض عقوبات اقتصادية على بلاده ولن تنفعه واشنطن في أي شيء بسبب المشاكل الاقتصادية المتأزمة في الولايات المتحدة، كما أن النظام في جورجيا الذي يسعى لتنفيذ مخططات واشنطن لا يأبه أيضا بمصالح شعبه واقتصاد بلاده الذي يعتمد كليا على روسيا وأسواقها.

لا شك أن هذه الأنظمة التي تعمل ضد مصالح شعوبها مستفيدة بشكل أو بآخر من الجهة الأجنبية التي تنفذ أوامرها ومخططاتها، فكم من الملايين من الدولارات أعطتها واشنطن لساكاشفيلي في جورجيا ويوشينكو في أوكرانيا ولم يصل منها لشعوبهما ولا دولار واحد، ومثل هذه الأنظمة تجهل حقيقة تاريخية مهمة.

وهي أنهم بالنسبة لواشنطن مجرد أوراق تستخدمها لأهداف ولوقت محدد ثم تتخلى عنها عندما تثور شعوبها ضدها، وها هي واشنطن التي وقعت بالأمس اتفاق تعاون استراتيجي مع الرئيس الجورجي ساكاشفيلي تستقبل أيضا منافسيه على الرئاسة رئيسة البرلمان نينو بورجاندزة، أيضا استقبلت واشنطن سفير جورجيا السابق في الأمم المتحدة إيراكل ألاسانيا.

وكلتا الشخصيتين عادتا لجورجيا لتعلنا أنهما منافسان للرئيس ساكاشفيلي في انتخابات رئاسة قادمة قريبا ويصرحان بأن واشنطن قررت التخلي عن ساكاشفيلي بعد هزيمته في أغسطس الماضي أمام روسيا، وعلى ما يبدو أن الرئيس يوشينكو في أوكرانيا ينتظره نفس المصير على يد رئيسة الحكومة يوليا تيموشينكا.