لكل زمن الرابط الخاص به، فما يربط بين العالم العربي الآن، يختلف عما ربط بينه خلال عقود قليلة مضت. ففي أزمنة الخطاب القومي العربي كان هناك رابط يجمع بين العرب جميعا، سواء رضي البعض أم لم يرض، سواء أعجبه الخطاب القومي العربي، أم لم يعجبه.
لكن في خضم هذه التضاربات كان ثمة رابط بين العرب، يوحدهم في مشاريعهم المختلفة الداخلية والخارجية. وحتى في ظل الخلافات العميقة التي كانت تظللهم، وتزيد من حدة وعمق هذه الخلافات، كان هناك رابط شعبي أو خطابي يربط كافة أرجاء العالم العربي، ويحرك مشاعر البشر تجاه قضايا التحرر والتنمية ومقاومة الاستعمار.
كانت الشعوب العربية في هذه الفترات التاريخية الخارجة من رحم الاستعمار تتسم بالطزاجة وبالعفوية وبالبراءة، كما أنها ورغم ظروف القمع التي واجهتها في مساحات واسعة من العالم العربي كانت مشمولة بالتفاؤل والرغبة في الحراك والعمل واستدماج الخطابات الأيديولوجية الرائجة في المنطقة آنذاك.
كما ساعدت بعض السمات الخاصة بالنصف الثاني من القرن العشرين على بروز تلك الروابط الجمعية بين مختلف شعوب المنطقة، فالعالم ثنائي القطبية، والنظريات الكبرى المناهضة للاستعمار، ومحاولات التنمية المختلفة، وظهور جيل من القادة الكارزميين، إن لم يكن على مستوى المنطقة، فقد كانوا يمثلون رموزا لمواطنيهم، وهو ما جعلهم يسايرون الروابط القومية العروبية بدرجة أو بأخرى.
ومنذ بدايات السبعينات بدأت تخف تأثيرات هذه الروابط في عالمنا العربي، وبدأت ملامح التفسخ والانهيارات المتتابعة تدب بين أركانه. صحيح أنها لم تهب عليه دفعة واحدة، لكنها بدأت واستمرت وتراكمت يوما بعد يوم، إلى الحد الذي استشرت فيه عبر أرجاء عالمنا العربي وأدت إلى سمة غريبة، ومناقضة للتوجهات الكونية المعاصرة القائمة على الوحدات الإقليمية المتشابهة والمتجانسة، ألا وهى التفكك والتشظي والتمزق.
ففي الماضي كان التجمع هو السمة الغالبة في عالمنا العربي، أما الآن، وفي ظل حالة الانهيار والضعف السياسي الذي أصاب عالمنا العربي، أصبح الرابط في وطننا العربي هو التفكك والانقسامات الحادة ليس فقط بين قادته، ولكن أيضا بين شعوبه بتوجهاتهم الدينية والعرقية والأيديولوجية المختلفة.
لماذا أصبح التفكك هو الرابط الوحيد بين العرب في السنوات الأخيرة؟ ولماذا ترسخت الخلافات فيما بينهم وتعمقت إلى مثل هذه المستويات غير المسبوقة؟
ولماذا أصبحت الاتهامات هي السمة الغالبة في السياسات العربية المعاصرة بين القيادات في العالم العربي، إلى الحد الذي فقد فيه البعض الثقة في الآخرين، وأصبح يثق في مشاوراته بعيدا عن العالم العربي، وعن قياداته؟ ولماذا انتقلت حمى الشقاق والخلافات والتمزقات من المستوى السياسي الخاص بالدول والحكومات إلى مستوى الشعوب، بل إلى مستوى العلاقات بين أبناء البلد الواحد، والتشكيلات الاجتماعية المختلفة التي يتكون منها؟
وما هي الآليات المختلفة التي دعمت هذه الخلافات وأدت إلى استفحالها على مستوى العالم العربي ككل، وعلى مستوى أقطاره كوحدات منفردة؟ وهل كانت هذه الآليات راجعة في معظمها لعوامل داخلية تخص طبيعة التطور التاريخي لدول المنطقة وشعوبها، أم أنها تعود أيضا لعوامل خارجية لعبت أدوارها في إضعاف المنطقة وبث الفرقة والشقاق بين حكام المنطقة وشعوبها وتشكيلاتها الاجتماعية المختلفة؟
الواقع أنه لا يمكن التركيز على العوامل الداخلية مع تجاهل العوامل الخارجية، على الرغم من الدور الكبير الذي لعبته الأولى لحساب الأخيرة، وساعدت من خلاله على تعميق أدوارها التفتيتية في المنطقة.
فلم يكن من الممكن بالنسبة للقوى الغربية أن تقوم بما تقوم به في المنطقة لولا تلك الانقسامات الهائلة التي نشأت ونمت بين الدول العربية. لقد كانت بداية ثمانينات القرن الماضي هي الحقبة التي بدأت فيها عمليات الفرز في عالمنا العربي، وبدأت فيها تصنيفات جديدة للمنطقة. صحيح أنها بدأت مبكرة إلى حد ما، لكنها اتضحت بجلاء مع قدوم الثمانينات، وبداية الانقسامات العربية الجغرافية والأيديولوجية والاقتصادية. فقد كانت الثمانينيات هي الحقبة التي اتضحت فيها حدة التقسيمات في المنطقة.
وبدأت بعض القوى تكتسب قوتها في المنطقة مدعومة برأس المال من ناحية وبالقبول الدولي والرغبة في النفوذ من ناحية أخرى. وفي الوقت الذي كان يجب أن تكون فيه الثروات محورا لخلق واقع وحدوي جديد على أسس اقتصادية جيدة وراسخة، فقد خلقت صراعات شتى وأحقاد عديدة وأصبحت عاملا من عوامل التفكك والانقسامات في المنطقة.
ولم يكن أصحاب المال فقط هم المخطئون فقد كان للقوى الأخرى في المنطقة نصيب كبير من الأخطاء التي تمثلت في الرغبة في التنفذ والهيمنة في واقع اختلفت فيه أوضاع القوة، ومراكز التأثير.
ففي الوقت التي كان يجب أن يدرك فيه الجميع أن قواعد اللعبة قد تغيرت، وان العالم العربي يحتاج لإعادة صياغة جديدة، وترشيد لعلاقات الهيمنة التي اتبعتها بعض القوى، إذا بهم يعيدون الأطر القديمة للتعامل بدون أن يؤسسوا قواعد أكثر عقلانية للتعامل فيما بينهم، وهو ما غزا الصراعات التي ساعدت على استشراء التفكك والانقسامات في المنطقة، ومن أسف أن هذه الصراعات قد وصلت لمستويات غير مسبوقة فيما بين الشعوب نفسها، وبين التشكيلات الاجتماعية المختلفة داخل الدولة الواحدة.
وهو أمر لم تصل إليه المنطقة في أي من فتراتها السابقة، سواء في فترات الصعود والمد القومي، أو في فترات الهبوط والمد القطري. ولعل ذلك ما يسم أوضاعنا الحالية بالهبوط ويجعل الرابط فيما بينها هو التفكك والتمزق سواء على المستوى السياسي، أو على المستوى الجماهيري الذي كان يؤمل أن يمثل خط الصمود والتحدي الأخير.
وفي هذا السياق لعبت القوى الغربية دورا هائلا في فرض المزيد من أطر الانقسام والتفكك في عالمنا العربي، مستفيدة من انقسامات الداخل من ناحية ومن صعود الأقليات وتبجح البعض منها في عالمنا العربي من ناحية أخرى. ولم تستخدم القوى الغربية نفوذها وقواعدها وتدخلاتها العسكرية فقط، لكنه استخدمت آلية الإعلام التي فرضت من خلالها أجندتها التفتيتية.
وفرضت المزيد من بث السموم وعناصر الفرقة بين شعوب العالم العربي. وهو ما يحتاج للمزيد من التعرف على الآليات الجهنمية والمنحطة للإعلام المستخدم في المنطقة، والكيفية التي خلق بها خريطة جديدة للتعامل بين شعوبها، وفرض المزيد من عناصر التشويه والانحطاط والإضعاف.
كاتب مصري