قبل بضعة أسابيع رأينا ذلك المشهد الدراماتيكي نادر الحدوث عندما اندفع الزعيم التركي رجب طيب أردوغان منسحباً من مؤتمر دافوس الدولي في سويسرا بعد أن خاطب الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز قائلاً: «أنتم بارعون في قتل الأطفال» .
هل كان ذلك مجرد موقف شخصي انفعالي؟
لا، أردوغان لم يكن يعبر فقط عن رؤية حزبه الحاكم في تركيا «حزب العدالة والتنمية» ـ بل كان يعبر عن فوران شعبي عارم في بلاده يعكس تحولاً جماهيرياً بشأن الهوية الحقيقية للشعب التركي.
في سياق مقالة في صحيفة «هيرالد تربيون» الأميركية يروي الكاتب التركي «أصلي عباس» حكاية ذات مغزى حول مقابلة صحافية أجراها مع برلماني تركي قبل نحو عشر سنين، تحدث ذلك العضو البرلماني عن رابطة تجمع تركيا مع جيرانها في الشرق وخاصة إيران وسوريا وأهمية أن تسعى تركيا إلى بناء تحالفات جديدة في آسيا والعالم الإسلامي.
ويقول الكاتب إن هذا البرلماني هو عبدالله غول الذي يشغل الآن منصب رئيس الجمهورية في تركيا في معية رجب طيب أردوغان رئيس الوزراء.. وكلاهما على رأس قيادة حزب العدالة والتنمية، والمغزى بالطبع هو أن تلك الأفكار التي عبر عنها غول قبل نحو عقد زماني وكانت في ذلك الحين أشبه بأحلام طوباوية أصبحت الآن السياسة الرسمية المعتمدة لتركيا.
تركيا «الأوروبية» أصبحت اليوم في حالة تحول نحو استعادة هويتها الإسلامية. وعلى العرب والمسلمين على الصعيدين الرسمي والشعبي أن يدركوا هذه الحقيقة، ويقول الكاتب عباس «الشعب التركي توصل إلى قناعة بأن تركيا لا تنتمي إلى أوروبا سواء بحسابات المصالح الإستراتيجية أو اعتبارات الهوية الثقافية.. وبالتالي حان الأوان لإعادة اكتشاف الهوية الأصلية. فعندما اكتسح حزب العدالة والتنمية الانتخابات البرلمانية مرتين فلأنه يعبر عن هذا التحول الشامل في الرأي العام التركي» .
خلال السنوات العشر الأخيرة ـ يقول عباس ـ نشأ تيار شعبي عارم في تركيا مناهض لأوروبا والغرب عموماً، وارتفعت موجات الغضب والكراهية ضد الولايات المتحدة وإسرائيل. لكن المثير حقاً أن هذا التيار يعكس أيضاً صحوة إسلامية في أوساط الأجيال الصاعدة، ومما يساعد على تنامي هذا التيار وتسارع وتيرته، عاملان: أولاً مماطلة دول الاتحاد الأوروبي في السماح لتركيا بالانتساب إلى الاتحاد كدولة كاملة العضوية.
ولم يغب عن ذهن الرأي العام التركي أن أوروبا المسيحية تنفر من تركيا الإسلامية، ثانياً.. تآكل نفوذ المؤسسة العسكرية التركية وبالتالي تدهور القوة السياسية للنخب العلمانية الموالية تماماً للغرب، وفي هذا الصدد يقول الكاتب إنه لا يوجد الآن في الساحة السياسية التركية أي زعامة يعتد بها للنخب العلمانية. تركيا تتغير جذرياً ومواجهة أردوغان الغاضبة مع بيريز كانت رسالة ذات مغزى عظيم إلى شعوب العالم الإسلامي.