عندما تولّت كوندوليزا رايس وزارة الخارجية الأميركية في مطلع عام 2005 أكّدت على ضرورة التشاور مع الحلفاء والأصدقاء، مما بدا آنذاك وكأنه قطيعة مع الفترة السابقة لها والتي تمّ الاتفاق على توصيفها أنها كانت » أحادية التصرّف الأميركي بما لا يُقارن مع غيرها من الفترات».

لكن لا بدّ من التذكير هنا أن سابقها «كولن باول» كان قد تبنّى خطابا «تجديديا» شبيها عندما تولّى مسؤولية الدبلوماسية الأميركية عام 2001. وكانت النتيجة على أرض الواقع هي دبلوماسية أميركية قادت إلى الحرب على العراق ليس بالتشاور مع الحلفاء وإنّما ضد رأي أغلبيتهم وأغلبية العالم أيضا. وفي الحالتين كانت القاعدة السائدة هي:«التصرّف من طرف واحد إذا أمكن، ومع أطراف أخرى إذا فرض الواقع ذلك».

ومن نافلة القول أن الدبلوماسية، أية دبلوماسية، لا تقول بالتشاور مع الأصدقاء والحلفاء تستحق «بجدارة» صفة أخرى «غير دبلوماسية». ثم ليس هناك دبلوماسية تعلن (رسميا) أنها لن تتصرّف سوى من رأسها وكأن الآخرون لا وجود لهم. قال السيد باول كلاما جميلا. وقالت السيدة رايس كلاما جميلا. وسمعنا من السيدة هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية الأميركية في الإدارة الحالية، كلاما جميلا. بكل الحالات ليس المهم ما يُقال ولكن ترجمته على أرض الواقع.

إن أنظار العالم تتجه اليوم صوب واشنطن وأوباما والعهد الجديد والقطيعة مع دبلوماسية التعالي التي أنتجت حربا استحق صاحب الأمر بشنّها «ضربة حذاء» واستهجان العالم. والسؤال الآن هو إلى أي مدى يمكن للسيدة كلينتون أن تجسد القطيعة المرغوبة والمطلوبة؟.

ليس من السهل الاعتقاد أن الولايات المتحدة سوف تغدو حاملة لواء منظمة الأمم المتحدّة واليد الضاربة للقانون الدولي. لكن حسّ الواقع وحالة الجفاء، إن لم يكن الطلاق، التي قامت بينها وبين العالم خلال السنوات السابقة قد يدفعان إلى قدر أكبر من القبول بتعددية الأقطاب على المستوى الدولي.

وذلك في منظور محدد هو تحسين صورة أميركا وحلّ المشاكل الكبيرة التي تواجهها وليس من منظور «تحرير العالم وتشجيع الديمقراطية » حسب المهمّة التي كان قد اصطفاها بوش لنفسه ثمّ لإدارته. ولعلّ الأمر الأول الذي تسعى إليه الإدارة الحالية هو التخلّص، وتخليص العالم، مما يمكن أن يعيد للذهن تلك «الذكريات السيئة».

بناء على ما تقدّم وعلى إرادة «القطيعة» كيف تمكن قراءة أول نشاط دبلوماسي «رسمي» لوزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون خارج الولايات المتحدة؛أي زن هناك «قطيعة» حقيقية على مستوى الشكل. فهذه هي المرّة الأولى منذ عدّة عقود ـ منذ 48 سنة تحديدا ـ ييارتها إلى عدّة بلدان في شرق آسيا بدأتها باليابان وشملت كوريا الجنوبية واندونيسيا والصين. ينبغي القول أولا أكرّس فيها وزير خارجية أميركي زيارته الرسمية «الافتتاحية» للخارج إلى بلدان شرق آسيا.

كان العرف، وبما يقترب من «قوّة القانون»، هو أن تكون مثل هذه الزيارة الأولى إلى البلدان الحليفة في القارة الأوروبية أو إلى البلدان الصديقة في الشرق الأوسط ‘وفي مقدّمتها بالتحديد إسرائيل. وينبغي القول أيضا أنها كانت «قطيعة» دبلوماسية عبر اختيار اليابان كأول بلد أجنبي تزوره السيدة كلينتون كوزيرة لخارجية أميركا.

العادة كانت هي أن ينتقل وزير الخارجية الياباني أولا إلى الولايات المتحدّة وليس العكس. ثمّ إن اختيار اليابان يوحي، فيما هو أبعد من الشكل، بطريقة جديدة في التعامل. المقصود أوّلا بذلك هو نوع من رد الاعتبار إلى اليابان الحليفة التي كانت إدارة بوش قد تجاهلتها إلى حد كبير ؛والأمر نفسه بالنسبة لكوريا الجنوبية.

والمقصود ثانيا هو الإشارة إلى أن أميركا «الجديدة» أقلّ غطرسة وأكثر إصغاء لما يقوله الآخرون، فما بالك بالحلفاء؟. وهذا ما عبّرت عنه السيدة كلينتون قبل ساعات من مغادرة طائرتها إلى طوكيو عندما قالت:» نحن آذان صاغية». لم تكن مثل هذه العبارة موجودة في قاموس إدارة بوش ولا الاستماع من مناقبها.

وكانت السيدة كلينتون قد وجّهت أيضا قبل الشروع في رحلتها الآسيوية رسالة واضحة تحمل أكثر من دلالة عندما قالت:«في المحصّلة نحن قوّة باسيفيكه ـ أي في المحيط الهادئ، الباسيفيكي ـ بمقدار ما نحن قوّة أطلسية». المقارنة فيها الكثير من «التقرّب» بالقياس إلى العلاقة الأطلسية الحميمة ولكن أيضا من التأكيد على التواجد الأميركي في المحيط الهادئ.

وليس بعيدا عن «مضايق تايوان» الإستراتيجية بالنسبة لطرق مرور الطاقة نحو الصين. ولا يخفى على أحد أن الملف الاقتصادي والأزمة المالية العالمية هما في رأس اهتمامات السيدة كلينتون الآسيوية. إن الصين واليابان تحوزان عل 41 بالمئة من المالكين الأجانب لسندات على الخزينة الأميركية، وما تعادل قيمته 1260 مليار دولار أميركي. بهذا المعنى تشكلان «دعامتين» في توازن الديون الأميركية العامّة الهائلة. وفقدان الدعامة قد يعني الانهيار.

وفيما هو وراء هذا البعد الاقتصادي الجوهري، أرادت السيدة كلينتون أن تؤكّد على أهمية الصين بالنسبة للإدارة الأميركية الجديدة، التي تمدّ يدها لبكين في أفق الوصول إلى تعاون كامل وشامل باسم «المصالح المشتركة» وعلى خلفية ذهنية منفتحة. الأمر الذي عبّرت عنه للقادة الصينيين بترديد قولا صينيا مأثورا قديما مفاده:«إذا كنتم على نفس السفينة، عليكم أن تجتازوا النهر بسلام».

وفيما هو أبعد من إظهار النوايا في الانفتاح أكثر على اندونيسيا وعبرها على العالم الإسلامي، ومن التركيز على بحث العلاقات الثنائية مع اليابان وكوريا، بدت الصين أنها المحطة الأهم في الجولة الآسيوية للسيدة كلينتون. الملفات التي طرحتها في أفق التعاون معها كانت عديدة وليس أقلّها أهمية ملف الانتشار النووي » الكوري الشمالي» وخاصة الإيراني. وملف التغيّرات المناخية والملف «الثانوي» الخاص بحقوق الإنسان، خاصة في التبت وعددا من الملفات الأخرى.

للتذكير كانت السيدة كلينتون قد ألقت في عام 1995 عند زيارتها الأولى للصين برفقة زوجها، الرئيس الأميركي آنذاك، خطابا شديد اللهجة ضد عدم احترام السلطات الصينية لحقوق الإنسان في التبت. اللهجة اختلفت كثيرا هذه المرّة باتجاه «التلطيف» منها مقابل التركيز على الاقتصاد، فالمواقع قد اختلفت، وكذلك الهموم.

في المحصّلة إن مجمل ما اقترحته السيدة كلينتون في الصين يبدو كدعوة لتغيير جذري في العلاقات الصينية ـ ألأميركية، ويذكّر بتلك الجبهة الموحّدة التي كان الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون ووزير خارجيته هنري كيسنجر قد حاولا إقامتها ضد الاتحاد السوفييتي السابق عند زيارتهما الشهيرة إلى بكين عام 1972. من الواضح أن السيدة كلينتون أعطت بجولتها الآسيوية «شكلا» جديدا للدبلوماسية الأميركية... ويبقى السؤال: ما هو المضمون الذي سيأخذه هذا الشكل ‘وليس في آسيا وحدها... لكن على صعيد العالم كلّه؟. ليس من السهل التفاؤل.

كاتب سوري ـــ باريس

mohaklouf@yahoo. fr