مصر تستعيد حيويتها الإقليمية‏,‏ وتتخلي طواعية عن حذرها السابق‏,‏ نظرا لأن الأطراف الإقليمية والدولية باتت تطالبها بدور أكثر نشاطا‏,‏ إلا أن الحركة النشيطة من الطبيعي أن تثير حفيظة البعض‏,‏ ومحاولات البعض الآخر لاختطافها لأجنداتهم الخاصة‏,‏ كما أنه لن يكون غريبا أن يتهمها آخرون بأن ما تقوم به ليس كافيا أو متأخرا‏,‏ بل ومن جراء صفقات سياسية‏,‏ إلا أن الثابت دوما أن الحركة المصرية ظلت محكومة بالمصالح العليا لمصر‏,‏ واعتبارات الأمن القومي المصري‏.‏

وليس غريبا أن يقول أحمد أبو الغيط‏:‏ لا توجد أي تفاهمات مع الإدارة الأمريكية حول الأوضاع الداخلية في مصر‏,‏ وأن مصر ترفض أي تدخل في شئونها الداخلية‏,‏ وأننا ننطلق في تعاملنا مع الآخرين من مصالحنا الوطنية‏.‏ وهنا لابد من الإشارة إلي أن النظام المصري وضع دوما الشئون الداخلية‏,‏ بوصفها خطا أحمر لا يقبل الاقتراب منه‏,‏ لذا حتي في ظل التوتر الشديد مع الإدارة الجمهورية السابقة‏,‏ وبرغم غطرسة جورج بوش فإن مصر ظلت بعناد شديد ترفض علانية وبوضوح أي تدخل في أوضاعها الداخلية‏,‏ وهذا الرفض الواضح لم يكن ضد الإدارة الأمريكية وحدها‏,‏ بل ضد الاتحاد الأوروبي أيضا‏,‏ كما أن الموقف الرافض تجدد أيضا من حسن نصر الله أمين حزب الله اللبناني‏,‏ وليس سرا أن الجميع في مصر‏,‏ سواء في صفوف الحزب الحاكم أو المعارضة أو أوساط المثقفين المصريين‏,‏ يجمعون علي أنه من غير المقبول أن يتم ابتزاز مصر من خلال شئونها الداخلية‏.‏

لذا فإن مصر الواثقة بجبهتها الداخلية تتحرك بحرية وجرأة ووضوح في المحافل الإقليمية والدولية‏,‏ والتجمعات الاقتصادية من أجل تعظيم مصالحها ومصالح مواطنيها‏,‏ كما أنها لا تتوقف عن عمليات مراجعة وإعادة تقويم للأوضاع في المنطقة والمسرح الدولي‏,‏ وتبدو الحكومة المصرية في الوقت الراهن مدفوعة بالرغبة الأمريكية المعلنة في التعامل بجدية مع عملية السلام‏,‏ ومن هنا يبدو الموقف المصري متسقا مع التوجه الاستراتيجي لها باختيار السلام عقب حرب أكتوبر‏1973,‏ لذا سيكون غريبا التجاوب مع المطالب الداعية لسحب مبادرة السلام العربية‏,‏ وموقف مصر مبرره بسيط‏:‏ دع الجانب الإسرائيلي يرفض السلام‏,‏ أو تحاصره استحقاقات السلام‏,‏ وهمجية عدوانه غير المبرر‏.‏

ولعل الوضوح المصري هو الذي يفجر الأزمات في معسكرات الآخرين‏,‏ فها هو الموقف يتفجر في وجه إيهود أولمرت رئيس وزراء إسرائيل الذي غير قواعد اللعبة بشأن ربط التهدئة بالإفراج عن الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط‏,‏ وتفجر الخلاف داخل إسرائيل‏,‏ ولا مجال هنا للمماحكات بأن ذلك يؤثر سلبا علي مصر‏,‏ نظرا لأن الموقف المصري واضح‏,‏ سواء من إسرائيل أو الفلسطينيين‏.‏

ويبقي أن يرصد المرء هذا التدفق المتعاظم علي القاهرة‏,‏ سواء من قبل الفصائل الفلسطينية المتصارعة للتوسط في المصالحة الفلسطينية‏,‏ أو التواصل الخليجي مع مصر التي قال عنها خادم الحرمين الشريفين لأمير قطر‏:‏ إنها قلب العروبة‏,‏ أو الحفاوة البالغة بها في البحرين في مواجهة التهديدات الإيرانية‏,‏ والأمر لا يتوقف عند ذلك الحد‏,‏ بل إنها مطلوبة وبقوة في أزمة السودان‏,‏ ولم يكن غريبا أن يعلن رئيس فرنسا ساركوزي مقولته الشهيرة لإدارة أوباما‏:‏ إن السلام يمر من القاهرة‏,‏ لذا فإن مصر مواقفها واضحة‏,‏ ولا تساوم‏,‏ ولا تناور‏,‏ ولا تساورها الأوهام‏,‏ وتنطلق من الواقع مما يفجر الأزمات لدي الآخرين‏.‏