تأتي الانحرافات بأشكال ومستويات مختلفة وهي في هذا نتاج للسياقات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية ولربما السياسية القائمة. وهي وإن كانت، أي الانحرافات، تمثل في بعضها ظروف اللحظة التي يعيشها الفرد إلا أنها في هذا تأتي لتعبر عن هذه السياقات والبيئة المحيطة.
كما أنها تعني في بعضها عدم القدرة على التكيف مع البيئة المحيطة، وإن كان كل ذلك ليس بالضرورة مفسرا لكل حالات الانحراف. فهناك ما هو نتاج للبيئة ذاتها وهناك ما هو نتاج للحالة الاقتصادية والسياسية القائمة.
وتأتي الضوابط لتعبر في بعضها عن هذه السياقات، أي أن الضوابط من حيث تغليظ نصوصها أو في تساميها ،إنما تعبر عن حالة اللحظة التي تشكلها، وهي في ذلك أقرب إلى ما يسميه بعض رجال القانون بنصوص المناسبات، أو أنها تأتي لتعكس مواقف وخيال ولربما مزاج من قام بصياغتها. والضوابط في هذا أما أن تكون مكتوبة، في نصوص قانونية أو مستمدة من نصوص دينية. أو أنها تأتي من خلال القيم والمعتقدات والسياقات السياسية والدينية والاجتماعية.
وقد تخضع التوجيهات السياسية والدينية للتأويلات التي أما أن تضفي عليها قدرا من المرونة أو التشدد. وتمارس الضوابط على الفرد قدرا من الضبط للسلوك، ويقبل عليها الأفراد لأنها تنظم حياتهم، وبعضها يتم بخيار الأفراد وقبولهم إلا أن البعض الآخر منها يفرض عنوة عليهم. وكما في الكثير من المجتمعات العربية فأن الضوابط رغم أهميتها الحياتية، إلا أنها إذا ما أسرف فيها أو غلّظة نصوصها فأنها تتحول لأداة قهر للسلوك لا ضبطا له.
ومثل ذلك قد يأتي من الدولة إلا انه قد يأتي كذلك من المجتمع. وتبقى قوة السياقات السياسية والدينية الأقوى في هذا الإطار. فتحت مبررات المحافظة على الأمن ومواجهة الإرهاب تسن الدول، كافة الدول، قوانين تنال من خلالها مصفوفة حريات الأفراد المدنية. ومثل ذلك لا يقال عن المنطقة العربية فحسب وإنما قد أزداد الحديث فيها عن تجاوز بعض الحكومات الغربية لمهامها في الضبط لتنال ممارساتها وتشريعاتها الجديدة والطارئة من خلال ذلك الحريات الشخصية للأفراد بل وأن تتعرى نتيجة لذلك أسرارهم الشخصية.
وتحت مبررات مواجهة الغزو الثقافي وحماية الدين والمجتمع تمارس بعض الجماعات والتنظيمات الدينية بدعم أحيانا من الدولة وأحيانا أخرى خروجا عليها، ضبطا لا متناهيا لسلوك الأفراد يصل في كثير من الأحيان إلى شكل من أشكال القهر.
فما تقوم به ما يسمى بهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو تلك التي تقترب منها من حيث الممارسة، المرخص لها أو تلك غير المرخص لها في الكثير من المجتمعات العربية والإسلامية ،لا يمكن أن يكون إلا شكلا من أشكال القهر والنيل من حياة الأفراد الخاصة ولربما تلك المغرقة في الخصوصية.
و للضوابط آليات ووسائط عدة: كالمؤسسة الأسرية والدينية والسياسية والتعليمية والسياسية والأمنية والجيرة والأعلام والتشريع.. وغيرها. وهي في هذا وسائط تختلف قدرتها على الضبط من مرحلة اجتماعية ? اقتصادية لأخرى.
وهي في بعضها وإن كانت ذات قدرة أعلى في الماضي على ضبط أفرادها كالأسرة والجيرة ولربما المدرسة إلا أنها وبفعل عمليات التحولات الكبيرة التي جاءت على المنطقة ، فأنها كوسائط أو آليات باتت غير قادرة على ضبط أفرادها، الذين باتت متغيرات ووسائط أخرى أكثر قدرة وفعالية في ضبطهم بل وفي تشكيل اتجاهاتهم وتوجهاتهم وأنماط سلوكهم.
وقد أصبحت هذه الوسائط وغيرها تلعب أدوارا ووظائف متناقضة فالمؤسسة الدينية أو بعضا من مؤسساتها الفرعية ورموزها والمؤسسة التعليمية والإعلامية ولربما الأسرية وغيرها يمكن أن تقوم بأدوار داعمة للضبط وأخرى مهيأة للانفلات. فمؤسسة المسجد وهي أحد أهم مؤسسات الضبط والتقويم الاجتماعي في المجتمعات الإسلامية لم تعد تقوم بأدوارها التقليدية المعروفة. فالمساجد في بعضها قد أصبحت ساحات للصراع السياسي سواء أكان ذلك بين الدولة ومعارضيها من الجماعات الاسلاموية أو بين هذه الجماعات بعضها نحو البعض الآخر.
وقد أصبحت هذه المؤسسات وبفعل السيطرة الاسلاموية أما منابر لمدح الدولة أو نقدها. وبدا الخطاب السائد فيها أما أن يكون خطابا تاريخيا مغرقا في التاريخانية أو خطاب معززا للعصبوية المذهبية أو نافيا للدولة أو للآخر المختلف دينيا وسياسيا ولربما اثنيا. وبدا اهتمام هذه المؤسسة بالقيم الحضارية كالنظافة والانضباط والتسامح والقبول بالآخر والاهتمام بالعمل وتجويده وبالعلم والدراسة والمثابرة والاجتهاد محدودا إن لم يكن متلاشيا من أجندتها. بمعنى أخر أن جل ما يقال في بعض هذه المؤسسات أما حديث في السياسة أو قولا في التاريخ أو تكفيرا أو نفيا للآخر المختلف أو إعادة أنتاج لقيم الخرافة والتفكير الخرافي أو تحريضا على العنف والإرهاب.
وفي الكثير من مجتمعاتنا فأن المدرسة كأحد ووسائط الضبط والتنشئة الاجتماعية والسياسية قد تحولت إلى مؤسسة منفلتة عن الضبط بل وفي بعض الأحيان مهيأة للخروج على القانون والنظام. فكم من المعارك والنزاعات قد شهدتها ساحات هذه المدارس سواء أكان ذلك بين الطلبة أنفسهم أو في أن تتحول صراعاتهم وبفعل من الخارج لنزعات وصراعات أثنية قد تكون مُميته.
وتبقى المفارقة الكبيرة التي باتت تشهدها بعضا من مجتمعاتنا العربية متمثلة في تحول وسائط الضبط التقليدية من مدرسة وأسرة وجيرة...و غيرها وبفعل انكشافها الكبير على قوى العولمة وضعف أدائها لوظائفها من وسائط ضبطا للسلوك لوسائط تعزيز السلوك الإنحرافي.
كاتب بحريني